أجنــدة دينيّـة!!
في حديث صحافي للرئيس السوري نشرته بالأمس جريدة "الشرق" القطريّة، تناول فيه نقاط قد يحتاج الكثير منها إلى مناقشة، إلا أن أكثر ما جاء نافراً فيها، تحدّث عن حزب الله كمقاومة وعن دعم سورية له، وباختصار له مغزى يخلّف تساؤلات حادة ومثيرة قال الرئيس الأسد عن حزب الله أنه: "حزب وطني لديه "أجندة دينية" ضمن وطنه اللبناني"!!
ثمّة نقزة تثيرها كلمة "أجندة دينيّة"، خصوصاً أن الحزب أمضى كل السنوات الماضية ينفي كل النصوص المنشورة في بيانه التأسيسي عن مشروعه لإقامة "دولة دينيّة" تدين بولائها للولي الفقيه في إيران، وأمضى وقتاً طويلاً يغلّف كل مظاهره الدينية الحادّة في التبعيّة لإيران الإسلامية والنظرية الفقهية ـ الإيديولوجية التي تبني عليها نظامها، إلا أن هذا النفي لأي مشروع خفيّ يحمل عنوان "الجمهورية الإسلامية في لبنان"، يرافقه للمفارقه فخر شديد بانتماء رأس الحزب، والحزب بالتالي ككيان ومؤسسة لهذا المشروع، وبأنه جنديٌ في منظومة ولاية الفقيه..
هذه هي المرة الأولى التي تتم الإشارة فيها مباشرة وبوضوح شديد إلى أن حزب الله يمتلك "أجندة دينية" ـ وهي للتنفيذ طبعاً ـ وهذا الكلام مقلق لأن قائله الرئيس السوري تحديداً، وبدقة وباختصار شديد وبوضوح أشدّ رسم الدكتور بشار الأسد الخطين اللذين يتحرّك عليهما حزب الله، واجهة المقاومة تأتي في المقدّمة طبعاً، فالحزب يستمد وجوده وقوته وسيطرته ودويلته القائمة وهي غالباً أقوى من الدولة اللبنانية أو تستقوي عليها من هذا العنوان، أما في المشهد الخلفي فـ "الأجندة الدينية"!!
الدِّين، لا يحتاج إلى أجندات!! وحزب الله لم يطرح نفسه مرة كحزب دعوة أو كحامل لواء نشر التشيّع في لبنان بناء على نظريّة الفقيه، ونفى في كلّ المناسبات كل تهم المذهبيّة، وأكد في أكثر من مناسبة أنه جزء من النسيج الفسيفسائي اللبناني، لذا يثير هذا الحديث وفي هذا التوقيت الانتخابي بالذات الكثير من غبار الكشف عن مشروع ديني لحزب الله في لبنان وعن أجندة له، ومن جهة تعتبر راعية للحزب وهي متنفسّه ومعبره وبوابة دويلته على إيران، أليس في هذا ما يثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجب أيضاً!!
لماذا قرع الرئيس الأسد أجراس إعلان المشروع والأجندة الدينية لحزب الله؟وفي حديث صحافي ليس عابراً ولا عادياً ولا تبسيطياً بقوله إن للحزب مشروع ديني، هل هذا إعلان رسمي ومباشر جاء من خارج الحدود اللبنانية!!
عندما عاد لبنانيون كثر إلى أرشيف الحزب يستعيدون في فترة تشنج لبنانية ما أحاديث تكشف عن هذا المشروع الديني، رفض الحزب الاعتراف بكلامه القديم، مؤكداً على انخراطه في الدولة اللبنانية، بل ونسب كل هذه إلى بعض من شغل موقع قيادة فيه وتم استبعاده بعد ذلك، إلا أن شدّة انضباط هذا المشروع منذ بدايته حتى وصوله إلى المرحلة الراهنة، تعيدنا إلى قراءة هذه الإعلانات المتتالية وقراءتها بدقة وبعين "الإيديولوجيا الدينية" لا بعين "الاتهامات السياسية" أو "الحملات الانتخابية المحمومة"..
– "نحن لا نملك مقومات حكم في لبنان والمنطقة (عملياً مقومات الحكم باتت متوفرة اليوم) لكن علينا أن نعمل لتحقيق هذا (أنجز العمل) ومن أهم الوسائل تحويل لبنان مجتمع حرب (تم تحويله عملياً عبر الترويج لفرض نظرية الشعب المقاوم التي نظر لها بغباء شديد ميشال عون مدعياً ضرورة تحويل الشعب من ميليشيا إلى مقاومة)، جريدة السفير – نيسان 1986!!
– "دعانا الإمام لإقامة الحكومة الإسلامية في أي بلد نعيش فيه وهذا ما يجب أن نعمل له ونفهمه "تكليفاً شرعيّاً واضحاً"جريدة العهد – حزيران 1989، "تكليف شرعي"، وكل ما يتحرك الحزب في إطاره هو تكليف شرعي، ومشروعه ينتظر لحظة الإعلان عنه ليس أكثر، فقد لبّى دعوة الإمام، فهو بحسب تعريفه بهويته "نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة تتمثل بالوليّ الفقيه الجامع للشرائط، كلّ واحد منّا يتولّى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعيّ في إطار العمل بولاية الفقيه"..
لا يحتاج هذا الإعلان إلى عميق تفكير فغالباً ما يأتي الإعلان عن الهوية شديد الوضوح والدقة، قد يكون حزب الله احتاج طوال السنوات الماضية إلى "تقيّة" ما لتحميه، متفرغاً لترسيخ خطوات مشروعه، إلا أن حديث الرئيس السوري ولصحيفة قطريّة، وبعنوان واضح وإن من دون تفاصيل، هل هو إشارة إلى أن اللحظة قد حانت، وفي هذه المرحلة بالذات!!
"أجندة دينيّة"!! حزب الله لا يسلّك مريدي طريقة صوفية بالأوراد والأذكار، أجندة دينية، الكلمة ترن في الأذن اللبنانية ولها وقع مقلق جداً، هذا الحديث عن أجندة دينية، تحتاج إلى استيضاحات كثيرة، ولكن، أي تعهدات بعد سيصدقها اللبنانيون!! نحن على شفا زمن قصير جداً لن يتأخر فيه الكشف عن هذه الأجندة وما تم إنجازه منها، ولن يتأخر ربما الإعلان عن قيام "الحكومة الإسلامية النموذج الحضاري" الذي وعدنا به الحزب في حال فوزه بالانتخابات وحكم لبنان منفرداً!!