انتخابات حزيران: تمهُّل في اللوائح واستعجال ملامح رئيس الحكومة الجديد
نقولا ناصيف
رغم أن الوقت لا يزال طويلاً حتى 7 حزيران، موعد إجراء الانتخابات النيابية، ويتركز الاهتمام حالياً على إعلان اللوائح، يستعجل أفرقاء في الموالاة والمعارضة على السواء الخوض في ما بعد نتائج الانتخابات وتوازن القوى في البرلمان الجديد. وهم بذلك يطرحون تساؤلات عن انعكاس هذه النتائج على تسمية رئيس أولى حكومات ما بعد الانتخابات.
وتنطلق المبرّرات التي تحوط بآراء الفريقين من ملاحظات منها:
1 ـــــ إن حكومة ما بعد الانتخابات النيابية لن تكون استثنائية في ظروف تأليفها، ولا ذات وظيفة مقيّدة ومحدّدة شأن الحكومات الثلاث الأخيرة التي شهدتها البلاد بعد 14 آذار 2005. لن تكون على غرار حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي جاءت لهدفين متلازمين هما إجراء الانتخابات النيابية عامذاك وتثبيت التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري مذ بدأ من خلال لجنة تقصّي الحقائق.
مع ذلك راعى ميقاتي، في أول اختبار له على رأس الحكومة، توازن القوى في الشارع ـــــ ولم يكن قد انتقل بعد إلى داخل الحكم ـــــ وأدار الصراع السياسي بحنكة جنّبته أزمات قاسية. تكيّف مع الضغوط الدولية الهائلة التي ألقت بثقلها على الوضع الداخلي لتعويض وجود الجيش السوري في لبنان وتجريد دمشق من كل أسباب تدخّلها في الشأن اللبناني، وإكساب قوى 14 آذار الأكثرية النيابية.
مستفيداً من عامل الوقت الذي حصر ولاية حكومته بأشهر قليلة ومهمتين محددتين، نجح ميقاتي في إضفاء طابع حيادي على حكومة لم يكن أفرقاؤها حياديين وهم يشرفون على الانتخابات النيابية، ولا التدخلات الدولية والعربية حيادية. في المقابل كان فريقا 8 آذار و14 آذار معنيّين بتسهيل إجراء تلك الانتخابات.
ومع أن أولى حكومات ما بعد انتخابات 2005 برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة لم تُقيّد بمهلة محدّدة، وأتت، بتقاسم مقاعدها، ثمرة توازن قوى نتج من الانتخابات النيابية، سرعان ما وجدت مهمتها استثنائية بالسعي إلى بلوغ المحكمة الدولية والضغط على خصومها بتأييدها القرار 1559 والطعن بسلاح حزب الله والاستعانة بالقرارات الدولية ضد سوريا والسيطرة على الوضع الأمني تحت وطأة جرائم الاغتيال والإمساك كأكثرية نيابية بكل مفاصل السلطة.
لكن وجودها في الحكم ثلاث سنوات إلا شهرين لم يمكّنها من السيطرة عليه بعد استقالة الوزراء الشيعة، وأضحى بقاؤها في السلطة أكثر استثنائية من قدرتها على الحكم، إلى أن أطاحتها أحداث 7 أيار 2008.
بدورها، ثانية حكومات السنيورة التي كانت أيضاً ثمرة انقلاب على نتائج انتخابات 2005 وأمراً واقعاً لإنهاء انفجار الشارع والنزاع المذهبي، أصبحت ذات مهمة استثنائية هي التحضير لانتخابات 2009. وهكذا تبدو مهمة رابعة الحكومات منذ نيسان 2005 مختلفة تماماً، غير استثنائية ولمدة غير محدّدة، وبرنامج سياسي على صلة وثيقة بنتائج انتخابات حزيران وتوازن القوى المنبثقة منها.
إلا أن هذه النتائج هي التي ستحدّد هوية الرئيس المقبل للحكومة.
لم يكن ممكناً إمرار انتخابات 2005 بشخصية نقيضة لميقاتي، ولا إمرار حكم الغالبية في الأعوام الثلاثة المنصرمة بشخصية أقل تصلباً من السنيورة ونقيضة لها، ولا أيضاً إمرار الأشهر الأخيرة بشخصية مرنة متفهّمة حدود الصلاحيات بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية كالسنيورة كذلك أو نقيضة لها. وقياساً على ذلك لا يستطيع أي من أفرقاء المواجهة في انتخابات حزيران التكهّن بملامح الرئيس المقبل للحكومة قبل ظهور نتائجها، ومعرفة الطرف الذي سيحصد الأكثرية المطلقة، أو في أبسط الأحوال أكثرية النواب التي تضع في يده حق تسمية الرئيس المكلف.
عندها تُفتح أبواب التكليف على ميقاتي للمرة الثانية، أو السنيورة للمرة الثالثة، أو النائب سعدالحريري للمرة الأولى.
2 ـــــ بات تعيين رئيس الحكومة في قلب معادلة أكثر تعقيداً، بحيث يقترن الاتفاق عليه ـــــ قبل تسمية الأكثرية النيابية له ـــــ بتأييد إقليمي وأحياناً دولي على غرار ما درج عليه تاريخياً اختيار رئيس الجمهورية.
إذ بات دور رئيس الحكومة، وكان السنيورة أول مَن ثبّت القاعدة، يتأثر بالتقلّبات والصراعات الإقليمية، ويحاول قدر الإمكان التأثير فيها. اضطلع الرئيس الحالي للحكومة بهذا الدور بين 2005 و2008، ونجح في أن يصبح الممثل الوحيد ـــــ المعترف به عربياً ودولياً ـــــ للشرعية اللبنانية تحت وطأة انقسام داخلي حاد في ظلّ الرئيس السابق للجمهورية إميل لحود وبعد مغادرته الرئاسة. وبات في وسعه مخاطبة المجتمع الدولي وحمل مجلس الأمن على إصدار قرارات والإنخراط في محاور عربية في مواجهة أخرى والدخول في صراع مباشر مع سوريا.
قبله ثلاثة رؤساء للحكومة عُدّوا أكبر من منصبهم وزعماء عرباً كما هم زعماء لبنانيون لم يُتح لهم الاضطلاع بدور مماثل، هم الرؤساء رياض الصلح وصائب سلام ورفيق الحريري.
ذاك ما بيّنته الأعوام الاربعة المنصرمة على الأقل عندما اختير رئيسان للحكومة، كان ثمّة فضل أساسي في تسميتهما لمعادلة إقليمية ودولية لم يكن الأميركيون والفرنسيون والسعوديون والمصريون والسوريون بعيدين عنها، ولا تَحفّظ أي منهم عنها، بتوافقهم على ميقاتي شخصية مستقلة رغم صداقته المتينة للرئيس بشار الأسد، وتوافقهم على السنيورة مرتين كأحد أعتى رموز 14 آذار. في الأولى كرّس التحالف الرباعي التفاهم عليه، وفي الثانية أوجب تنفيذ اتفاق الدوحة ترؤسه حكومة الوحدة الوطنية كي يوازن دورُه منح المعارضة الثلث المعطل.