#adsense

ديموقراطيّة؟

حجم الخط

ديموقراطيّة؟

صحيح تماماً القول يا إخوان، انّ الديموقراطيّة اللبنانيّة استثنائيّة تماماً، وتكاد تكون فريدة (وحزينة) من نوعها في كل أرجاء المعمورة. إذ لا يبدو أنّ شيئاً مماثلاً موجوداً في أي مكان مسكون آخر، لما هو موجود في لبنان، لجهة التعدّد المذهبي والطائفي وكثرته وتنوّعه.
دول كثيرة عظمى كانت كالاتحاد السوفياتي السابق، وأخرى أقل عظمة كانت كيوغوسلافيا، ضمّت في اطارها الجغرافي الكياني والسياسي شيئاً من التنوّع الطائفي لكنها حُكِمت بالفرض، وعاشت تحت أحكام الحزب الواحد والقائد والرائد، وعندما اهتزّ الحزب والحكم اهتزّ التاريخ وتشظت الجغرافيا وذهبت البلاد بناسها نحو المقابر والمحافر وحقول القتل والتنظيف العرقي التام والشامل.

ولأن تلك المقولة الخاصة بنوعية ديموقراطيتنا حسّاسة إلى هذا الحدّ، وطريّة إلى هذا الحد، وهشّة إلى هذا الحدّ، ولأنّ النظام السياسي اللبناني يكاد يكون تدريباً يومياً مستمراً ومستداماً، على فن التسوية، فإنّ الخلل الأول يكاد يكون الأخير. بمعنى أن أي طرف، أو طرفين، لا يستطيع أو يستطيعان فرض أجندة خاصة على الأطراف الأخرى.. ميزان الذهب والماس وكل ما عليها وفي باطنها من أحجار كريمة، لا ينفع في ضبط القياس، إذا ظلّ فريق واحد يفترض انه من الذهب والفريق الآخر من الفضّة وما شابه.

إنه بالفعل، أوّل درس في عموميّات الواقع اللبناني وجغرافية طوائفه ومميّزاته السياسية، لكن المفارقة أنّ البعض يصرّ على عدم الأخذ به كما يجب، ويفترض أنه وحده يحدد كيفية تلقي ذلك الدرس وحفظه، وكيفية حمل الميزان كي لا ينهار الموزون والوازن معاً.
ديموقراطية طوائفية واضحة وملتبسة في الوقت نفسه، تنام على حافة نُظم الاقتصاد الحر، وتفيق على حافة نظم العسف والاستبداد والقهر، وفرض الرأي الواحد على عصبة آراء متفرقة تكون مجتمعة، صيغة ظلّ المؤسس الراحل لحزب "الكتائب" الشيخ بيار الجميّل يتغنّى بها حتى اللحظة الأخيرة من حياته، رغم أنها تكسّرت وتخلخلت وتشظّت وتناثرت.

لا تستطيع ساعة تشاء أن تقول إنّ النظام اللبناني طوائفي، توافقي ميثاقي.. ثم في ساعة أخرى، تقول انك لا تريد الإجماع ولا يهمّك أمره، وتفعل ما تراه وحدك مناسباً بغض النظر والبصر عن المكوّنات الأخرى للجمهورية اللبنانية، ولا تستطيع ساعة تشاء أن تقول إنّ الحكم دراية وشورى على مدار الساعات والأيام، في قضايا فرعية هامشية، وظيفية أو تنموية، ثم تقول في ساعة أخرى إنّ قضايا الحل والربط المصيريين، والحرب والسلم، والدولة ونقيضها، والجيش ومشاطرته وظيفته، والأمن ومشاطرته مهامه، هي مسائل "لا تمشي" إلا وفق رأيك وحدك.. وليذهب الآخرون إلى المحاكم وإلى ما هو أبعد منها، بتُهم العمالة والخيانة والارتباط الخارجي، فقط لأنهم لا يوافقون على ما تقول وتفعل؟!.
ديموقراطية طوائفية، توافقية، من أوّلها إلى آخرها، وإلا لن تركب، لا اليوم ولا بعد مئة سنة؟ لا في الانتخابات ولا بعدها، ولا في الحكومات ولا ما بعد بعد بعد بعدها!.

… قبل ذلك، وقبل كل بحث تفصيلي آخر، كنّا نود لو سمعنا تعريفاً واضحاً محدداً لمفهوم "الديموقراطية" من اساسه بالنسبة إلى بعض الممانعين، قبل أن نصل إلى المضاف إليه من توصيف يُوضع حسب القياس الخاص لذلك البعض!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل