الاستحقاق الانتخابي ومصير الوطن
تشكّل الانتخابات النيابية المقبلة منعطفاً مصيرياً في تاريخ لبنان، إذ على أساسها سوف يعبر هذا الوطن الى مستقبل مجهول محكوم بخيارين لا ثالث لهما، إما لبنان الوطن والدولة، أو لبنان المزرعة والعودة مجدداً الى زمن الوصاية، ولا أعتقد أنّ ثمة مواطناً لبنانياً يرغب بإعادة عقارب الساعة الى الوراء، وأن يخوض غمار تجربة سبق أن خاضها تحت تأثير الهيمنة والضغوط والقوة الجبرية، التي صادرت حريته وقراره وكرامته، إنها بمثابة دعوة للمواطن اللبناني في أن يحسّن خياراته، وأن يدع جانباً مصلحته الفردية، والنظر الى مستقبل الوطن الذي يسير باتجاهين، وهنا يجدر بنا أن نتذكّر ما حدث في السابع من أيار 2008 وما فعله الفريق الآخر، الذي يسير وفق روزنامة محور الممانعة، ويتحرك من خلال أجندة سورية، لم تعد تتعامل مع القضية اللبنانية من وراء الكواليس، بل فردت أوراقها وأعلنت عن نيّة مبيّتة، مُقايِضَةً أمن لبنان واستقراره بسلة من المطالب، أبرزها نسف المحكمة الدولية أو تحوير نتائجها في حال كانت النتائج تطال نظام بشار الاسد أو أحد المقربين منه.
لقد بات جلياً الموقف السوري من خلال ممارساته الأخيرة، وتهديداته بتفجير لبنان، في حال اتضح لهم أنّ المشهد الانتخابي لا يسير وفق طموحاتهم، فراح يعزف على وتر الحكومة، حيث يتوخّى أن تكون في لبنان حكومة تعطّل العمل الحكومي، حكومة غير قادرة على اتخاذ أي قرار كي يبقى السوري هو الحكم بين اللبنانيين، ويشترط التوافق اللامشروط بإعطاء الثلث المعطل للفريق الآخر ليمارس سياسة التعطيل المعهودة، وإذا لم يتحقّق ذلك، فلبنان على موعد جديد مع التهديدات الأمنية والتفجيرات، وتهديد السلم الأهلي، وعودة موجة الاغتيالات من جديد.
ويخطئ مَنْ يظن بأنّ لبنان قد تجاوز مرحلة الخطر الداهم، وأنّه دخل دائرة الأمن والاستقرار، فهذا تصوّر مبني على رؤية تفتقر للوضوح والتبصّر في الافق السياسي والأمني، وسوء فهم للمتغيّرات الاستراتيجية، فلبنان اليوم عُرضة للتدخلّات الخارجية،
والانقلابات الداخلية، أكثر من السابق، فهناك جملة من المؤشرات تؤكد أنّ لبنان سوف يشهد مرحلة دقيقة وحساسة، إذا ما أتت نتائج الانتخابات النيابية وفق تطلعات نظام الوصاية، وكذلك نتائج المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في حال ثبت بالبرهان القاطع تورّط النظام السوري في قضية استشهاد الرئيس رفيق الحريري والجرائم المنظمة اللاحقة.
إنّ الرئيس السوري بشار الاسد أعلنها صراحة في عبارة لا تخلو من نيّة مسبقة عن تدخّله بالشؤون اللبنانية، إذا لم تأتِ نتائج هاتين النقطتين وفق ما يشتهيه نظامه، فهو قد وعد بتفجير الوضع في لبنان، كما أشار الى تسييس المحكمة الدولية، مستبقاً بذلك نتائجها لكي يتمكّن من التملص في ما بعد من أي التزامات قد يترتب عليه القيام بها، وهي في الغالب الاعتراف التام بلبنان دولة حرة مستقلة وذات سيادة.
ثانياً ترسيم الحدود وتطبيق بنود اتفاق الطائف.
ثالثاً تكون العلاقة فقط من خلال التعاطي الدبلوماسي عبر السفارات، وبالتالي احترام السيادة اللبنانية من خلال وقف الدعم المسلّح لحزب الله، والذي يأتي عبر الإمدادات الايرانية بواسطة سوريا.
جميعها مؤشرات تدل على أنّ ثمة معركة انتخابية ستكون أم المعارك، بحيث لم تعد القضية قضية انتخابات تجري فحسب، بل هي قضية لبنان وقضية مصير الديمقراطية ومصير الحرية والسيادة والاستقلال، فنحن نرفض أن نكون سلعة تُباع وتُشترى في أسواق الغير، ونأبى أن نُستغل من قِبل أي طرف عربي كان أو غير عربي، من أجل تحصين مواقع لا تمت للبناننا بصلة، فنحن نريد أن نأخذ زمام أمورنا بأيدينا ونريد أن تكون كلمة لبنان بيد اللبنانيين دون سواهم، هذا هو مطلبنا وهذه هي آمالنا وتطلعاتنا، لا نريد أن يُنظر إلينا على أننا بحاجة الى وصاية لأننا غير قادرين على إدارة شؤوننا بأنفسنا، وفي الوقت نفسه لا نقبل أن تستغل الايادي المخربة فريقاً من اللبنانيين المنساقين وراء محور أطلق على نفسه صفة الممانع، يتلطى وراء شعارات فضفاضة خالية من المضمون والهدف. فهناك على ما يبدو خوف سوري من أن تكون الانتخابات النيابية المقبلة خطوة جديدة على طريق تكريس الانتهاء من الوصاية.
لبنان اليوم أمام تحد كبير، إما أن يخرج منتصراً ويسترجع هوية لبنان العربية، ويستعيد كرامته ويكون عضواً فعّالاً في جامعة الدول العربية، ومجلس الامن الدولي، وتتخذ قراراته من العاصمة بيروت، وليس من أي عاصمة أخرى، وأن يرسخ فكرة السيادة الحقيقية وليست الوهمية، وأن يشعر باستقلال حقيقي وليس مزيف، وأن يمارس الديمقراطية بمعناها الحقيقي لا أن تُمارس عليه سياسات باسم الديموقراطية، وأن يشعر المواطن اللبناني بأنّه مواطن حر يستسيغ حريته تحت عباءة الدولة اللبنانية، وإما أن يخرج مهزوماً ويردّد أنشودة (وللحرية المضرّجة باب يُدقّ) آنذاك نكون قد قدّمنا هذا الوطن قرباناً على مذبح الحرية والسيادة والاستقلال، حيث لم تعد هناك من حرية ولا سيادة ولا استقلال.
إذن أيها اللبناني الحريص على أمن لبنان وحريته، تذكّر أننا أمام استحقاق سوف يرسم ملامح وطن، وانظر الى البعيد حيث ينتظرنا مصير غامض، وتنتظرنا معركة سياسية مصيرية ستشهد خلالها ولادة وطن، فدع نصب عينيك لبنان أولاً.
فالانتخابات النيابية تُعدُّ خطوة على طريق انتشال لبنان من بين مخالب الوصاية، إنها خطوة على طريق النضال الطويل من أجل مستقبل أفضل للبنان واللبنانيين، وما استماتة الرئيس السوري بشار الأسد التي عبّر عنها في حديثه لصحيفة <السفير>، إلا خير دليل على نوايا مبيتة تخطط للعودة مجدداً الى لبنان.