الانتخابات النيابية أو تأكيد "الاستثناء" اللبناني الجديد
إنها الدورة الانتخابية الثانية في زمن الاستقلال الثاني، ومن الطبيعي ان يقوم الصراع بين اتجاهات (بالجمع) استقلالية، وأخرى ما زالت تحمل إرث ان يبقى البلد نهباً للخارج، ومحطاًَ له ومعبراً وأداة. هذا طبيعي. او فلنقل ان هناك وبالحدود الدنيا، اتجاهاً استقلالياً يرى هذا الانجاز (المعطى الدائم) مرتبطاً عفوياً بما يستدعيه المجتمع المدني من "اخلاقيات" ومن دور تأسيسي وفاعل، في حماية الحياة السياسية بالادوات الديموقراطية والاجتماعية والنقابية… (السيادية) واتجاهاً آخر يربط "التحرير" (عبر فصمه عن "الاستقلال" (!) بآليات من ارث الأنظمة البائدة (وإن كان بعضها يقف بين الرحيل والبقاء) والمتمثلة بالمناحي العنفية التي تجعل من المجتمع المدني هدفاً لها، تصوب عليه، لكي تكون الغلبة لحزبية أحادية، والقرار للمنقلب المسلح (ارث الأنظمة التي عادت علينا بالوبال والهزائم والفقر والذل) وللاستئثار، والفروض الفوقية باعتبار ان الديموقراطية تعطل وجودهم، وتستوعب بناهم المتمردة على المجتمع، وعلى الدولة، وعلى الاستقلال نفسه.
وهذا ما لمسناه كمقدمات لـ 8 آذار (أو 7 أيار المشؤوم)، واستقر لديهم كمبادئ "حفر" وكاستراتيجيات "معارضة" على امتداد العهد الأول من الاستقلال الثاني.
ونظن أن هذين الاتجاهين حفرا عميقاً في صراعهما، بحيث باتت مواصفات كل منهما واضحة: والمعارضة تعني عندنا لا اعتراف بأكثرية، ولا بشرعية دستورية (فوق الجميع) ولا بمؤسسات ثابتة، ولا بدولة راسخة. والبديل، بالنسبة اليهم تكريس ان قوى الأمر الواقع (تماماً كما كانت أيام الميليشيات) لا بد من ان تتحول واقعاً، واذا كانوا يمثلونها عن جدارة عبر استقلالهم عن الشرعية (باسم الشراكة: تأملوا) وعن ارادة الأكثرية وعن قرارها، فينبغي ان يلتزم هذا الواقع احادية إلغائية: تماماً كما هي الحال في الأحزاب والأنظمة الشمولية. أي تكريس تسلط "الأقلية" المدججة بسلاح الوصايات على الأكثرية. وعليه، فان الخطاب السياسي المرافق يجب ان يكون على غير المضمر أحياناً، مفعماً بالنيات والشعارات "البيضاء" وفائضاً ايضاً بالتهديد والوعيد والشتائم والتخويف… ليكون آخر العلاج الديموقراطي "الكي" بالغزو والانقلابات.. لكي لا ننسى التواطؤ مع القتلة من شذاذ هذه الأنظمة السوداء!
لهذا، ولأسباب اخرى، تتخذ المعركة الانتخابية بعدين متناقضين باتا معروفين وثقافتين باتتا معروفتين ومآلين تجددهما العمليات الانتخابية المقبلة.
والطريف، ان 8 آذار، استغلت الواقع الاستقلالي مثلاً لتلغيه، والديموقراطية لتضربها والمجتمع المدني لتعسكره وتؤمننه وتحرير الشارع لتنفيه بالتوعد والتكسير والترهيب والاعتداء (وهو الشارع الذي كان مغلقاً على الناس طيلة اربعة عقود ومستباحاً للمخابرات وما تنتجه مخابرات الوصايتين وسواها من الوصايات) واستغلال المشاركة في الحكومة لتعطيلها ومجلس النواب لشله والقوانين لتجييرها والدستور لتشويهه والحرية لاستباحة الآخرين: اي استغلوا "انجازات" 14 آذار لتجاوزها واعدامها ليبرهنوا ان لا شيء يقوم في هذا البلد، ولا أمل في أي اسئلة شرعية ولا دولة ولا ديموقراطية ولا مجتمع ولا حرية تعبير… ولا من يعبرون!
على هذا الأساس تحاول 8 آذار بأصولها (الخارجية) وباستنساخاتها الداخلية، وتظهيراتها الميدانية ان تستغل هذه الانتخابات لتُظهر "لافاعليتها" ولاجدواها… وعبثيتها؛ واذا كان ذلك قد تجلى في ممارسات هذه القوى على امتداد السنوات الأربع الماضية (حركة العميل شاكر العبسي حليفهم المفدى) محاولة انقلاب كانون الثاني، الهجوم على الأحياء الآمنة، الاعتداء على الممتلكات العامة، غزو بيروت والجبل.. تعطيل المجلس النيابي، محاصرة الحكومة، تأخير الاستحقاق الرئاسي… فان استمراره يشكل القواعد الاساسية لبرامجهم الانتخابية (المضمرة) والمنطلق لأهدافهم البعيدة المدى. وإذا كانت قوى 8 آذار بأكثريتها افرازاً من افرازات الوصايات والانتدابات "المقنعة" أو السافرة، فان الهدف البعيد المدى لمحاولتهم السيطرة على السلطة التشريعية… وما يستتبعها من السلطات الأخرى، هو ضرب الانجاز الاستقلالي السيادي أولاً، بحيث يكون شعار "لبنان أولاً" شعاراً طوباوياً في أفضل الأحوال وشعاراً عدائياً في اسوأ التفاسير. بمعنى آخر، استعادة الهيمنات الخارجية المعروفة (الوصائية) على قرار الحرب والسلم وعلى المؤسسات العسكرية والأمنية والاعلامية: فالقرار الاستقلالي يتجسد عادة بأن كل القرارات المصيرية تعود الى اكثرية الناس، اذاً، فليُعدم القرار الاستقلالي تماماً كما كان معدوماً على امتداد أربعة عقود وعندها تعود "حليمة الى عادتها القديمة": الجمهورية بلا جمهورية والشعب بلا حضور والمؤسسات كلها في أيدٍ حزبية رهن الخارج. وهكذا يعود البلد كما كان مجرد اسم بلا مسمى، وناس بلا ارادات وأحلام بلا واقع وديموقراطية بلا ديموقراطية، أي يصبح اللبنانيون على أيدي بعض 8 آذار مجرد "شهود" زور على زوال جمهوريتهم وكيانهم وحدودهم واقتصادهم وحرياتهم. وعندها تكون حرب تموز (بصرف النظر عن نتائجها) نموذجاً لحروب تموزية أخرى، وتعود آلات الدمار الصهيونية مستخدمة هذه الذرائع لتدمير كل شيء: وهكذا نستمر في ان نكون وقوداً بما نملك، وبما نحلم وبما نقول في "اتون" الوصايتين (وربما اكثر). ويتحول كل شكل من اشكال النقد أو المعارضة "خدمة للعدو الصهيوني" وتشويهاً لانتصارات الهية "مقبلة" بحمده تعالىّ! وعندها يصبح الكلام على نظام لبناني مجرد تواطؤ؛ والكلام على شعب لبناني مجرد "خيانة" والكلام على جيش يحمي الحدود اساءة الى الاستراتيجيات التاريخية للمقاومة، والكلام على العدالة ضرباً من ضروب التآمر على "الأمن" الوطني، والكلام على الحرية عمالة "للشيطان"؛ يعني يصير لبنان كما كان، مجرد قطعان مسوقة بقوة الترهيب والارهاب ومحاكم التفتيش والاستلاب والخنوع واللاشيء! واذا كانت استراتيجيات 8 آذار البعيدة ترتسم في هذه الاتجاهات، فيعني ان يلازم القضاء على الديموقراطية القضاء على الاستقلال، والقضاء على وحدة لبنان بترسيخ الكانتونية المذهبية، والتقسيمات العمودية بين الناس، والطوائف والأحزاب، لأن هذه الكانتونية قد تأسست في بداية الحرب لتفسح في المجال لكل القوى الخارجية بالتسرب عبرها. وعندما انحلت هذه الكانتونات بعد اتفاق الطائف، ورثتها "الوصايتان" لتفسخ الناس والطوائف والأحزاب في "كانتونات" مقنعة، نفسية ومادية و"شرعية" من خلال منع التواصل بين مكونات البلد، وضرب الأحزاب وحتى الطوائف التي تعارض، ونفي رموزها وتشتيت زعامتها لتأتي ببدائل "كانتونية" أحادية ذات "طرابيش" متنوعة، تماماً كما حدث مع "المقاومات" السابقة عندنا حيث كانت كل مقاومة تمثل جمهورية منفصلة معلنة، لتختزل في السنوات العشرين الأخيرة بكانتونية ضخمة ورثت كل سيئات التجارب التي سبقتها. فالكانتونية "الشعبية" بالمعنى الطائفي والمذهبي وهي الأخطر هي وسيلة استئثارية وكذلك وسيلة تجييش لتحريض طائفة سائدة على الطوائف الأخرى، أو حزب سائد على القوى الأخرى!
يعني انتفاء وجود شعب واحد (حي) وانتفاء وجود استقلال واحد، وانتفاء وجود دولة واحدة، وانتفاء وجود جمهورية واحدة، وانفتاء وجود اقتصاد واحد وديموقراطية واحدة! اذ تتحول كل هذه البنى الى مرجعياتها الخارجية عبر الأحزاب الحليفة!
على هذا الاساس ينبغي مواجهة استراتيجية الأقلية الحالية، وبرنامجها الانتخابي (المضمر)، باستراتيجية أخرى، وببرنامج انتخابي مضاد من قبل التجمع الاستقلالي وهذا يعني اعتبار ان هذا الاستحقاق هو مصيري وتاريخي ليس بالنسبة الى هذا الحزب او ذاك بل بالنسبة الى بنية البلد والسلطة والنظام… وهذا يتطلب رفع الخطاب السياسي الى مستوى عالٍ من التمسك بالقيم الديموقراطية، وبالسيادة وبالأدوات الاجتماعية وبالمقررات الدولية، أي رفع مستوى الخطاب السياسي الوطني الى ما يحافظ على الانجازات الاستقلالية. اذ ليس من الطبيعي ان يُفرط احدٌ من الاستقلاليين أو سواهم بالانجازات التي حققها بدماء الشهداء والتفاف الأكثرية الشعبية حوله. وهذا يُفضي حتماً الى تجنب تحفير شروخ في القواعد الاستقلالية التي هي حَمت الاستقلال، ووحدة البلد وقاومت المحاولات الانقلابية التي ارتكبتها 8 آذار بتحريض وترسيم من الخارج.
ونظن ان خلخلة هذه القواعد الشعبية المتنوعة عبر "صراعات" و"محاصصات" انتخابية يؤدي الى خلخلة كل شيء ليصب ذلك في مصلحة من يريد تعطيل هذه المد الشعبي العارم، وتحويله شراذم، (وكانتونات) متلاغية أو معدومة الفاعلية.
فـ 14 آذار مشروع استقلالي أولاً وأخيراً بما يستدعي ذلك من تعزيز التطلعات الى وطن حر عادل وديموقراطي للجميع… واذا انتقص هذا المشروع انتقصت معه كل القوى المؤسسة والشريكة، وتهلهلت وسهل استفراسها وتسييبها.
فالانتخابات النيابية المقبلة اكبر من كل الأرقام الخاصة، واكبر من كل الحسابات الذاتية، وأخطر من كل المراهنات الضيقة، انها معركة المعنى التاريخي للبنان، أو بالأحرى المعنى التأسيسي التاريخي لهذا البلد، من خلال توظيف النتائج كتأكيد على دور السلطات التشريعية والتنفيذية وصولاً الى الرئاسة الأولى وكذلك من خلال استغلال المخزون الديموقراطي في التصويت معبراً آخر لنظام أكثر ديموقراطية وأكثر أهلية لاستيعاب التناقضات والرهانات والتحولات على مختلف المستويات وكذلك تعزيز أدوات المجتمع المدني عموماً والحرية الفردية خصوصاً وترسيخ الارادة الشعبية بانتصارها، وهذا يعني تجاوز "مقولات" بعض 8 آذار بأن الأقلية تكون اكثرية، والأكثرية ليست اكثرية تذرعاً بقانون الانتخاب الراهن الذي نطالب ايضاً بتطويره لا من حيث اتاحة مزيد من العصبية والتعصب والهيمنة، بل للتعبير عن كل الشرائح التي تمثل البلد.
فالمسألة اذاً أبعد من ان تكون مجرد مناسبة وأبعد من أن تكون مجرد مراهنات بلا أفق، انها الأفق المقبل ووجهاته. فاذا ما انسدّ هذا الأفق بالعودة الى ظواهر العقود الأربعة الماضية المشؤومة بناسها وميليشياتها وأنظمتها ومموليها ومسلحي شبابها، فيعني ان كل شيء انتهى! وقد تفوت كل فرصة لاستعادة زخم السيادة الديموقراطية والاستقلال والعدالة… التي تدفقت في السنوات الأربع من اكثرية الشعب بلا حساب، سوى خدمة هذه القيم. بل نقول انه اذا حصل ان "افرنقعت" قواعد 14 آذار (وهذا ما نستبعده) عن أصولها، ووشائجها وانجازها، فيعني انه من الصعب استرجاعها!
من هنا، ان هذه الانتخابات مصيرية ليس بالنسبة الى أحزاب وتيارات معينة فقط بل بالنسبة الى كل لبنان، وتاريخه الماضي والمقبل وتحديداً دوره الخاص وسط ما يحاصره من أنظمة عنصرية (اسرائيلية) وشمولية (كثيرة) وطائفية… دوره الاستثنائي الذي تميز به في الفترة التي سبقت حروبهم كلهم علينا ابتداء من نهاية الستينات وحتى اليوم. ذلك الدور الذي جعل من بيروت منارة مشعة وسط الظلاميات الدكتاتورية، وطريقاً مفتوحاً وسط الطرقات المغلقة بالقمع والقتل والاغتيالات والسجون والنفي!
فاذا كنا نريد ان يعود كل شيء الى هذا "الوراء" فيكفي ان ننسى معاني هذه الانتخابات، ومقاصدها ومحطها كعبور من زمن الى زمن، ومن مرحلة الى مرحلة ومن لبنان الى لبنان آخر!