نصرالله يتقصّد الالتباس في كلامه عن انتخاب رئيس جديد.. أما ترشيح "كتيبة صداميّة" فمؤشّر يُناقش
برنامج "حزب الله": لماذا لا يقترح مباشرةً النظام البديل؟
يمكن للقادة أن يقعوا في أخطاء غير مقصودة. لكنهم عندما لا ينفون نيّة الخطأ وعندما لا يصحّحون، يصبح خطأهم مقصوداً. وهذا ما ينطبقُ بالضبط على قول الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله قبل يومَين إن أهمية المجلس النيابي المقبل تنبعُ من أن على عاتقه إنتخاب رئيس جديد للجمهورية.
"زلّة لسان" معبّرة
قد لا يكون السيد إقترف خطأ مقصوداً في تقديم موعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، على اعتبار أن الولاية الرئاسية ومدّتها ست سنوات تنتهي في أيار 2014، أي بعد نحو عام من انتهاء مدة المجلس النيابي المقبل نفسه في حزيران 2013. غير أن عدم الاعتذار عن "زلّة اللسان" وعدم نفي وجود مقاصد من "الخطأ في المواعيد"، يُجيزان إستنتاجات شتى. وذلك مع العلم أن "الزلّة" ونفيها يكونان في أحيان كثيرة لإبلاغ رسالة معيّنة.
على أي حال، إن ما دفع إلى "الإهتمام" ـ ربما أكثر من اللازم ـ بهذا الكلام الصادر عن نصرالله، هو عددٌ من الأمور، أبرزها ثلاثة.
.. تغيير الرئيس!
الأول، أنه تردّد كثيراً، خصوصاً بالتزامن مع "إتفاق الدوحة" الذي تضمن الاتفاق على إنتخاب الرئيس سليمان توافقياً، أن إتفاقاً موازياً حصلَ يومئذ بين "حزب الله" والجنرال ميشال عون على "تغيير" الرئيس بعد الانتخابات النيابية، خصوصاً إذا تمكن فريق 8 آذار من الحصول على أكثرية نيابية مريحة. و"قيلَ" يومها إن "مفتاح التغيير" ـ إذا برز إضطرار إليه ـ سيكون الطعن بدستورية إنتخاب سليمان، على اعتبار أنه إنتخب في أيار الماضي من دون تعديل الدستور، ووفقاً لنظرية "سقوط المهل" الموجبة للتعديل.
علاقة "حزب الله" بسليمان "غير صافية"
وإذ تذكّر الفقرة السابقة بسيناريو قيل إنه تمّ الاتفاق عليه بين الحليفَين تزامناً مع "الدوحة"، وإذ يمكن لكثيرين اعتبار هذا السيناريو مستحيل التنفيذ، فإن الأمر الثاني الذي يشكّل مصدر "الاهتمام" بكلام نصرالله، هو واقع حال العلاقة بين "حزب الله" ورئيس الجمهورية، بحيث تبدو "زلّة اللسان" عن انتخاب رئيس جديد في المجلس النيابي المقبل، بمثابة إشارة إلى حال العلاقة الحزب اللّهية بالرئاسة.
ليست العلاقة هذه مأزومةً بمعنى أنها أمام أزمة "متفجّرة" أو قابلة للإنفجار سريعاً. لكنها بـ"التأكيد" ليست علاقةً "صافية". ذلك أن "حزب الله" الذي ارتاح إلى تجربته مع "الرئيس المقاوم" إميل لحود(!)، بالضبط لأن هذا الأخير سخّر كل شيء للحزب، لا يمكنه أن يرتاح إلى رئيس ذي منهجية متوازنة ومعتدلة، وأساسها بناء الدولة.
.. ونصرالله يريد تأييد الرئيس لعون
أما الأمر الثالث، وقد يبدو "الأهم" في مرحلة إنتخابية، فهو أن الرسالة التي يستبطنها كلام نصرالله، هي دعوة ـ ضمنية ـ إلى الرئيس سليمان كي "ينخرط" في الانتخابات النيابية إلى جانب 8 آذار، وإلى جانب عون تحديداً. أي رسالةُ ضغط على الرئيس كي ينحاز إلى عون، في وقت تفيد كل المعطيات أن الجنرال بحاجة إلى دعامات استثنائية في معظم الأقضية، وفي وقت تحدّثت معلومات عن محاولات عونية للتقرّب من الرئيس ومن مرشّحين مقرّبين منه لم يُكتب لها النجاح.
14 آذار والمستقلّون
في جميع الأحوال، إن لكلام نصرالله ـ سواء كان مقصوداً أو غير مقصود ـ "فضيلتَين" إثنتين.
الأولى أن من شأن كلام السيد أن يضيف إلى عناوين معركة 14 آذار عنواناً سياسياً رئيسياً هو ضرورة فوز 14 آذار بالأكثرية النيابية مجدداً لمنع "التآمر" على الرئاسة والرئيس بأي صيغةٍ من الصيغ.
أما الثانية فهي أن من شأن هذا الكلام أن يؤكد "حقيقة" أن الرئيس التوافقي أقرب سياسياً إلى فريق 14 آذار، بما أنه يحمل مشروع الدولة والمؤسسات ويحمل رؤية إلى دور لبنان على غير صعيد عربي ودولي. كما من شأن هذا الكلام أن يؤكد ضرورة "التحالف" وواجبه بين 14 آذار و"المستقلّين" الاستقلاليين و"الدولتيين". وأن يؤكد "حقيقة" أن الأكثرية اللبنانية لا بد أن تنهض على جناحَين: الحركة الاستقلالية والقوى المستقلّة.
البديل من الطائف؟
وفي ما يتجاوز "المعطى السياسي" سالف الذكر، فإن ما يستحقّ الإشارة إليه في كلام نصرالله هو ما يتعلق بتأكيده أن "حزب الله" سيُعلن قريباً جداً برنامجه الانتخابي ـ السياسي، واعداً بإطلالات دورية لـ"شرح" هذا البرنامج.
في انتظار إعلان البرنامج وتقديم "الشروح" بشأنه، يعرب العديد من "المراقبين" عن إعتقادهم أن البرنامج سيعيد ـ منطقياً ـ تقديم "أطروحة" الحزب في الطائف والدستور والنظام السياسي. لكنهم ـ المراقبون ـ إذ يعتبرون أن "حزب الله" قدّم خلال السنوات السابقة وحتى الأيام القليلة الماضية، كامل نظرية "الإنقلاب على الطائف"، من مقولة "الديموقراطية التوافقية" إلى مقولة "ديموقراطية الإجماع" إلى "الثلث الضامن المعطّل"، يرون أن على "حزب الله" أن يمتلك جرأة تقديم مشروعه لـ"الصيغة" والنظام السياسي في لبنان. أي أن يمتلك جرأة الانتقال من تنسيب مقولاته قسراً إلى إتفاق الطائف، إلى طرح مشروعه البديل للنقاش والتداول والحوار. وفي هذا المجال، ثمة إقتناعٌ بأن من حقّ الكثرة من اللبنانيين أن تقول لـ"حزب الله" إن ما طرحه في المرحلة السابقة لا علاقة له بالطائف وبالنظام الديموقراطي البرلماني، لكن من حقّ "حزب الله" بل من واجبه أن يقترح البديل ليتمّ التعرّف إليه. ففي أمور مصيرية، لا تجوز "المغمغة".. وبـ"التقسيط".
"الكتيبة الصداميّة".. تجربة جديّة
أما بعد.. فقد لفت في لائحة الترشيحات الحزبية التي أعلنها السيد، أن قيادة "حزب الله" قررت "تدعيم" الكتلة النيابية بوجوه جديدة، بحيث بدا واضحاً أن الحزب إختار "كتيبة صداميّة" لضمّها إلى الكتلة كي تتحوّل الكتلة بعد ذلك إلى "فرقة مواجهة".
فالأسماء الجديدة المتضمّنة في لائحة الترشيحات، منها من هو من "الحرس القديم المؤسس" ومنها من شغل مواقع "حسّاسة" ومنها من لعب أدواراً "إستراتيجية" حتى في الظل.. وكلها أسماء "قريبة" من نصرالله شخصياً.
ينبغي الاعتراف بأن لدى "حزب الله" مقاربة خاصة لكيفية تأمين "حضوره" النيابي، أي حضور، يغني فاعليته السياسية ولو كان لا يغني الحياة النيابية التشريعية أولاً ولكيفية تشكّل كتلته البرلمانية وتوزيع الأدوار داخلها ثانياً ولكيفية المشاركة الفعّالة في الحكومة ثالثاً. وينبغي الاعتراف بأن "حزب الله" يقدّم "هنا" تجربةً يصحّ أن تحذو أطراف 14 آذار قاطبةً حذوَه فيها. ستكون 14 آذار بحاجة إلى "كتيبتها الصداميّة" في المجلس النيابي، إلى نواب "مقاتلين"، وهؤلاء موجودون ويجب زيادتُهم.
ملاحظة: تمّ استخدام مصطلح "كتيبة صداميّة" مَجازاً وبالإيجاب فاقتضى التنويه.
