أعطيناهم أصواتنا أعطونا دماءهم
على هامش الاستحقاق المنتظر في السابع من حزيران المقبل، من الطبيعي والمفترض ان يقوم المرء بجردة حساب لحصيلة سلوكه الانتخابي الأخير في صيف 2005، والتأكد من صحة وسلامة خياراته او عدم صوابيتها. وذلك يكون بوضع القيم والعناوين التي جرى الانتخاب على أساسها، مقابل سلوك القوى والنواب الذين جرى انتخابهم لفترة اربع سنوات، والنتيجة تتحدد تبعاً لقرب هذا السلوك من تلك العناوين او بعده عنها.
في العودة الى مثل هذه الأيام قبل اربع سنوات، يطالعنا مشهد ما قبل الانتخابات الاخيرة بأشهر قليلة، حين كانت عناوين المرحلة بالنسبة لأكثرية اللبنانيين، السيادة والاستقلال معطوفة على عنوان آخر اتسم بالسخونة هو المطالبة العارمة بالحقيقة والعدالة اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. ولم يكن سراً إعطاء أكثرية اللبنانيين اصواتهم للقوى السيادية على اساس تلك العناوين. وكان اول المستفيدين من تلك المناخات الجنرال ـ التسونامي ميشال عون الذي استطاع ان يستثمر المشهد السيادي والاستقلالي على افضل ما يكون، ويفوز بكتلة كبيرة على اساس تلك العناوين ليقوم فيما بعد بالانقلاب التدريجي على كل المفاهيم والشعارات والقيم التي كان يتغنى بها.
فالتيار الوطني الحر الذي دخل الانتخابات من بوابة الحرية والسيادة والاستقلال، ومفهوم بناء الدولة العصرية وحصر حق امتلاك السلاح ومسؤولية الامن بمؤسساتها، وفاز بالانتخابات بكتلة نيابية كبيرة على اساس تلك الشعارات والعناوين، يبيّن شريط الاحداث منذ تلك الانتخابات وحتى اليوم، حجم الانقلاب الفظيع لهذا التيار على كل المفاهيم والقيم والعناوين التي تقدم بها للناس في حملاته وبرامجه الانتخابية. والأغرب اليوم، هو خروج زعيم هذا التيار على الناس بعد كل ما حصل، لتبرير مسلسل انقلاباته التي لا يعلم احد الى اين يمكن توصل لبنان واللبنانيين، بـ "ضرورات التكيف مع التطورات" و"موجبات حماية الوجود المسيحي"، منتقلاً بطروحاته من مفهوم الوطن العلماني الحر الى محاولة استثمار الجو المسيحي ثانية، من خلال التركيز على استعادة حقوق المسيحيين المسلوبة من قبل "وليد جنبلاط وسعد الحريري" بحماية حراب حزب الله وبدعم قوي حصل عليه من "الحليفين" سوريا وايران.
وثمة من خاض الانتخابات على أساس الوفاء للمقاومة فكان التعبير عن ذلك الوفاء خلال الاربع سنوات الاخيرة، بجر البلاد الى حرب لم تكن الدولة وقسم كبير من اللبنانيين على استعداد او علم بها، ومن بعدها الإمعان في إنهاك البلاد بمسلسل متواصل من التعطيل والإقفال والحصار وصولاً الى الاجتياح الكبير للعاصمة ومناطق اخرى تحت شعار "السلاح من اجل السلاح". وهناك من خاض الانتخابات على اساس التحرير والتنمية وتفعيل عمل المؤسسات، فكانت النتيجة المزيد من التعطيل للمؤسسات وفي مقدمها المؤسسة الأم ـ المجلس النيابي الذي اقفل ابوابه ولأول مرة في تاريخه لفترة اكثر من سنة ونصف، والتسبب ايضا، في المزيد من "التنمية" باعتماد النهج العنفي ـ التعطيلي و"تحرير" لبنان من خيرة ابنائه.
في المقابل، هناك قوى وتيارات اخرى دخلت الانتخابات تحت عنوان الحقيقة والسيادة والاستقلال واستعادة الدولة لهيبتها ومؤسساتها، وفازت على اساسه بالاكثرية النيابية والتفويض الشعبي والشرعي لفترة اربع سنوات.واذا ما جرت مقارنة العناوين التي خاضت هذه القوى الانتخابات على أساسها، مع سلوك هذه القوى طوال فترة صلاحية التفويض الممنوح لها، يتبين ان هذه الاكثرية بدت احيانا كثيرة مربكة ومترددة وعاجزة عن استخدام هذا التفويض. لكن بالرغم من العراقيل والعقبات والتحديات الكبيرة التي واجهتها، استطاعت هذه الاكثرية ان تحقق بعضاً من وعودها وشعاراتها لاسيما في ما يتعلق بانجاز المحكمة الدولية وشعار العدالة والحقيقة وايضاً الانجاز الاستقلالي الذي تمثل بفتح السفارتين والتبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا. ومع ذلك يرى كثر من المتابعين ان بوسع الاكثرية كان استخدام التفويض الاكثري على نحو افضل وافعل في العديد من الاستحقاقات والمناسبات لا سيما الاستحقاق الرئاسي وممارسة حقها الدستوري في التعيينات الامنية والادارية وحماية امن المواطنين وحرماتهم وممتلكاتهم.
من خلال هذه الجردة، لا نبالغ او نغالي ان اعتبرنا ان نواب الاكثرية ورغم الحجم الكبير من الضغوطات والتضحيات والتحديات التي واجهوها خلال السنوات الاربع الاخيرة، لم يخرج الا القليل القليل منهم عن خط العناوين والشعارات التي رفعوها اثناء الحملات الانتخابية والتي على اساسها جرى التصويت لهم. وعلى هامش الاجواء الانتخابية الراهنة نسأل: ترى، هل هناك ابلغ من شهادة النواب جبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم وقبلهم رفيق الحريري وباسل فليحان والشهيد الحيّ مروان حماده على صدق الالتزام بالمبادئ والقيم التي على اساسها نالوا ثقة الناس واصواتهم؟