#adsense

نحو 8 حزيران.. والتحدي الكبير

حجم الخط

نحو 8 حزيران.. والتحدي الكبير

معظم اللبنانيين يقولون هذه الأيام، إننا نسير نحو 7 حزيران موعد الانتخابات، والمنافسات، والشعارات، والحفلات، والمكافآت سراً وعلناً، والمبارزات في كل الأماكن قرى ومدناً.. ولكن بعض اللبنانيين الذين يتأملون عميقاً، يتبصرون بالآتي، فيتأنون كثيراً، ويقولون: إننا نسير نحو 8 حزيران.. ذلك هو اليوم الذي ينتظره هؤلاء، والذي سينتظره كل اللبنانيين بعد الانتخابات، وان تكن غالبيتهم التي نتحدث عنها الآن، قد أغرقت نفسها في المراهنات والحسابات السريعة، وانشغلت بالفولكلور "الشعبي" ذي الأهازيج الطائفية حيناً، والمذهبية حيناً آخر، والمناطقية داخل الطائفة نفسها أو داخل المذهب نفسه، فضلاً عن اهازيج العصبيات السياسية المنتشرة لدى مختلف القوى، وكأن الديموقراطية لا معنى لها سوى هذه "الهيصة" التي ترافق الاستعداد ليوم "الحشر" السياسي حينما يجري اسقاط الأوراق في الصناديق "المسحورة" سلفاً بالترتيبات السياسية المسبقة التي تجعلنا نعرف النتائج بصورة شبه مؤكدة قبل فرز الأوراق، وربما لم تكتسب الديموقراطية في لبنان معاني اكثر من ذلك حتى الان، فيا للاسف الشديد، ويا للكارثة التي نعيش فيها، لأننا اضعنا على مدى تسعة عقود فرصاً هائلة، كان يمكن ان تجعل الحياة السياسية في لبنان حياة وطنية مدنية ديموقراطية بالفعل، بدلاً من ان تكون حياة مثقلة بالارتهانات الطائفية كما هي حياتنا الراهنة التي تموت في مستنقعات الطوائف والظلم الاجتماعي، ونبقى ـ بالرغم من ذلك ـ نغالب انفسنا، ونسميها حياة.

نقول "حتى الآن" لأننا نحلم بغد ديموقراطي مدني انساني، وسنبقى نتشبث بهذا الحلم. ولهذا بالضبط علينا ان نصارح انفسنا، ففي السابع من حزيران مساء، ستنتهي الانتخابات، وسيكون في البرلمان المقبل أكثرية واقلية، ولكن المعادلات الموجودة أمامنا تؤكد لنا بنسبة عالية ـ ما لم تحدث معجزات سياسية ـ ان اي جهة لن تحصل على اكثرية الثلثين التي تخولها توجيه مجلس النواب، ما يعني ان بعض الوجوه قد تتغير وأن بعض المعادلات الخاصة والجزئية قد تتغير، أما المعادلات العامة فلن تتغير بعد هذه الانتخابات، وبناء عليه سيبقى مهماً جداً، وأساسياً جداً، تطوير لغة الحوار كي تصبح لغة وطنية لأن المرحلة المقبلة ستظل محكومة الى حد بعيد بلعبة التوافق، ليس لأن اتفاق الدوحة كرس هذا الأسلوب وحسب، بل لأن الواقع الطائفي، وفي ظل قانون انتخاب طائفي، يحتم ذلك. فكيف ستكون الصورة اذا اجتمعت تعقيدات الواقع مع ترتيبات اتفاق الدوحة الذي يحظى برعاية عربية واقليمية ودولية محسوبة زمنياً بدقة، ولن ينتهي زمنها في وقت قريب؟!

أمام هذه الصورة ـ (لا مجال في هذه المقالة لعرض خرائط التحالفات وتقاطعات الأرقام التي تجعلنا نتوقع عدم تغيير المعادلات العامة) ـ فنحن من تلك الشريحة التي تتبصر بالآتي، فننظر الى ما سيكون عليه الأمر في لبنان في 8 حزيران طالما ان 7 حزيران لن يكون فيه جديد نوعي متقدم، وعسى ان يخيب ظننا فيحصل العكس.

لماذا نقول: 8 حزيران؟.. لأنه في ذلك اليوم الآتي سيبدأ السير حثيثاً نحو صياغة تركيبتين يجري البحث فيهما منذ الآن، وهما: رئاسة الحكومة وطريقة تشكيلها، ورئاسة المجلس وهيئة مكتبه، وكلتاهما نتيجتان طبيعيتان لانتخابات بموجب الدستور، وبموجب قانون الانتخاب. وفي ذلك اليوم الآتي ايضاً سيبدأ التأريخ السياسي لعهد رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وسيوضع مؤتمر الحوار المسمى "وطنياً" على المحك، فإما يكتسب هذه الصفة فعلياً، وإما يندر نحو السقوط الذي يكون زلزالياً في حال حصوله. وفي ذلك اليوم ستسقط كل الأعذار المستخدمة لتأجيل الخوض الجدي في معالجة الأزمة المعيشية والاقتصادية، والقضايا الاجتماعية الناتجة منها، كما ستسقط كل الذرائع التي توظف للتهرب من الاصلاح، اي سيكون ذلك اليوم الأتي، وهو يوم استراحة المحارب بعد معركة انتخابية مقبولة الى حد كبير، ولا علاقة وثيقة لها بما بعدها الا بحدود انتاج قوى سياسية غير قادرة في الوضع الراهن على ممارسة الديموقراطية الا بحدودها السطحية جداً وفقاً للبدعة الطائفية "اللبنانية" المسماة: التوافقية، وهي في احد وجوهها تعطيل للديموقراطية التي نعرفها في المجتمعات المدنية المبنية على اساس وطني وتعاقدي تعبر عنه دولة جامعة وقادرة وسيدة وحرة ومستقلة.

اذاً، نحن جميعاً في 8 حزيران، سنكون مجدداً امام تحديات التوافق السياسي/الطائفي، لأن قانون الانتخاب الحالي مثل نظامنا السياسي، ليس مُهيأ لإنتاج أكثرية وأقلية وفقاً لأبسط معاني الديموقراطية، وبالتالي سنكون جميعاً ايضاً امام لحظتين متداخلتين ومتلازمتين: لحظة الانكشاف، فالكواليس صارت صعبة جدا في لبنان، ولحظة المسؤولية الوطنية صارت أصعب. ومن هنا بالضبط، فنحن المتأملين بمصير البلد يعنينا السابع من حزيران من حيث المتابعة والمراقبة ورصد إنزياحات القوى داخل كل فريق وبين الافرقاء المتنافسين، ولكن يعنينا اكثر، الثامن من حزيران لأن التوافق الذي سيحكمنا سيتقرر فيه مصير البلد، فهل سيكون التوافق تكراراً للمساومات والاتفاقات السياسية بالتنسيق بين الداخل والخارج، اضافة الى توزع الحصص في السلطة، أم سيرتقي الى المعنى الوطني الجامع، فيكون هو التوافق الأخير الذي يقر فيه الجميع بأن لبنان يحتاج الى تكريس فكرة الوطن والمواطنية، والى بناء الدولة المدنية، وننطلق في الانتخابات المقبلة عام 2013 نحو معركة ديموقراطية فعلية لانتاج معادلات سياسية تمثيلية جديدة، ينتج منها اكثرية قادرة على الحكم، واقلية قادرة على المعارضة في اطار الدستور الذي يكفل تداول السلطة وثبات الدولة واستقرار المجتمع وتعزيز السلم الأهلي؟

نعترف بأن الخوف الشديد من تكرار لعبة التوافق السطحي يتملكنا بقوة، وعسى ان تثبت المرحلة المقبلة خطأ تصورنا، لأن ما يهمنا فعلاً هو بلوغ لبنان/الوطن، ولبنان/الدولة، ولبنان/السلام الأهلي المدني الانساني، سلام المواطنين لا سلام الطوائف، سلام الاتزان لا سلام التوازن الهش، والتخاوف الطوائفي، سلام العيش الوطني لا سلام العيش المشترك الذي يستبطن الحرب الأهلية ـ ولو بمحركات خارجية ـ والذي تحول الى العيش المعترك اذ ينذر بحرب كل عقد او عقدين من الزمن.

نحن اذاًً بحاجة الى توافق أخير، ولهذا لا بأس ان نتذكر جيداً، ان الانتخابات التي ستجري في حزيران المقبل انما تجري في ظل نتائج اتفاق الدوحة، غير ان ذلك لا يعني بالضرورة ان يبقى سقفنا الوطني ابتداء من الثامن من حزيران منخفضاً وفقاً للاتفاق المذكور.. ولا نقصد بذلك ابداً التنصل من اتفاق الدوحة، ولكننا نقصد التركيز على النقاط الخمس الآتية:

أولاً: لا يجوز ان يتخذ أحد من اتفاق الدوحة ذريعة للقول انه حل دائم، فهو في حقيقته تسوية مؤقتة أكدت ضرورة الحفاظ على وحدة لبنان، وعدم الانزلاق الى حرب أهلية، وعدم فرض أي رأي بالقوة، ورسمت طريقاً للخطوات السياسية من التهدئة بعد أحداث السابع من ايار 2008 الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية في 25/ايار/2008 الى الانتخابات النيابية في 7 حزيران 2009، ما يعني ان اتفاق الدوحة ـ وفقاً لتقديرنا ـ هو محطة، لكنه لا يلغي، ولا يعدل من اتفاق الطائف الذي يبقى هو خارطة الطريق الأساسية لدخول أبواب الحل في لبنان.

ثانياً: ابتداء من الثامن من حزيران 2009، ننتظر من القوى السياسية، جميعها، وكيفما كانت نتائجها في الانتخابات ان تطور مفهوم التوافق المحكومة به بموجب اتفاق الدوحة، ولا شك في أن الخطوة الأولى نحو هذا الهدف هي اعادة الاعتبار لاتفاق الطائف، ولا سيما المناخ العام للاتفاق المذكور حيث يؤكد وحدة لبنان وعروبته ونهائيته وسيادته واستقلاله، وحيث يشدد على ضرورة الاصلاح السياسي من أجل بناء دولة حديثة وقادرة.

ثالثاً: ان اعادة الاعتبار لاتفاق الطائف الذي يعلن الجميع عن استمرار التزامهم به، لا تكون بخطوات استعراضية جزئية كمثل تخفيض سن الانتخاب الى 18 سنة ـ (هو على كل حال ما زال حتى الآن اشبه بتوصية) ـ فيما يبقى قانون الانتخاب طائفياً ومذهبياً يعبر عن عنصريات متبادلة تنذر بحروب اهلية متعاقبة، ـ (قانون انتخاب الستين هو من هذا الصنف) ـ بل تبدأ، اي اعادة الاعتبار، من تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، أما من دون ذلك، فلا قيمة لأي شعار عن الإصلاح السياسي.

رابعاً: ان مؤتمر الحوار الوطني الذي سيكون دوره ومصيره على المحك حتماً، لا يحتمل تكرار لعبة تقطيع الوقت مثلما حصل بعد اتفاق الدوحة، فإما ان يكون مؤتمراً حوارياً وطنياً يؤسس لترسيخ فكرة الوطن في لبنان، وبناء الدولة، ويصوغ وثيقة تأسيسية تنظر الى تجارب تسعين سنة مضت، وتؤكد عروبة لبنان بالتلازم مع الوطنية اللبنانية والسيادة والاستقلال، ولرسم موقع لبنان في المنطقة ودوره وفقاً لامكانياته من خلال مناقشة كيفية الدفاع عنه، ومناقشة مسائل المقاومة، ومسائل الاقتصاد والتنمية.. الخ، وإما فإن المؤتمر سيفقد معناه، وسيسقط، وعندئذ لن تستطيع الحكومات ان تنجز شيئاً نوعياً، لأن التوافق في هذه الحالة سيبقى تعبيراً مباشراً عن المحاصصة لا عن الرؤى المستقبلية.

خامساً: تجري من حولنا تحولات واسعة على المسرح العالمي، والمسرح الاقليمي المؤثر فينا، ولا يجوز ان نبقى من دون رسم استراتيجية لبنانية للعلاقات الخارجية، واذا كنا لا ننكر ابداً العوامل الجيوبوليتيكية المحيطة بنا، فهذا لا يعني ان نفتقد الارادة والمبادرة. وبناءً عليه، فانه من المهم جداً ان نرسم العلاقات مع الأشقاء العرب بالتساوي، واذا كانت الجغرفيا تفرض نوعاً خاصاً من العلاقات بين لبنان وسوريا فإن المرحلة المقبلة ستكون مهمة لجهة تأكيد بناء العلاقات اللبنانية ـ السورية على أساس السيادة والاستقلال والاحترام المتبادل والمصالح المتكافئة.

هذه النقاط الخمس، لن يجري التصويت على أساسها في الانتخابات الراهنة، فغالبية الناخبين يذهبون الى صناديق الاقتراع بدوافع آنية، وأحياناً ضيقة. لكن ذلك لا يعفي القوى المتنافسة جميعها من تحمّل المسؤولية عن مصير لبنان. فالسابع من حزيران نتائجه معروفة، ولا جديد فيه سوى القليل، ولهذا فإن المناقشة المستقبلية ستبدأ في 8 حزيران، طالما أن التوافق سيحكم الجميع، وهنا التحدي الكبير. فهل يكون التوافق تكراراً أم تجديداً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل