في الذكرى الخامسة عشرة لحل حزب "القوات اللبنانية"
ما هي التداعيات السياسية والقانونية المستمرة؟ وكيف يمكن تجاوزها؟
احتفلت "القوات اللبنانية" بالذكرى الـ15 لحل حزبها في احتفال نوعي في البيال السبت. المناسبة يفترض أنها "ذكرى أليمة"، لكن القواتيين يصرّون على اعتبارها درب الجلجلة التي قطعوها نحو القيامة الحقيقية، وخصوصا أن قرار الحل لم يؤد نتائجه تحت شعار "حلّوا الحزب وبقيت القوات". ماذا بقي من تداعيات حلّ "القوات" بعد كل هذه الأعوام قانونيا وسياسيا؟ في هذا التحقيق محاولة للإجابة عن هذا السؤال.
منذ انتهاء الحرب اللبنانية وتوقيع وثيقة الوفاق الوطني في الطائف بدا واضحا أن النظام السوري كان يسعى الى الإمساك بمفاصل الحياة السياسية في لبنان والهيمنة على القرار اللبناني. وبعد الحروب الداخلية، وآخرها حرب الإلغاء التي ضربت المناطق المسيحية الحرة في لبنان، شكلت حرب الخليج الثانية فرصة ذهبية لسوريا للمقايضة على لبنان، فغطت الدخول الأميركي الى الخليج العربي مقابل التغاضي الأميركي والغربي عن بسط نفوذها على لبنان والإطاحة بمضمون اتفاق الطائف وروحه.
هكذا بدا واضحا للسوريين أن من العقبات الأساسية أمام إتمام مشروعهم للسيطرة على لبنان: "القوات اللبنانية" التي واجهتهم أيام الحرب عسكريا، كما حافظت على توازن معيّن سمح برسم خطوط حمر على ما اصطلح على تسميته "المناطق الشرقية المحررة".
ولم تكن "القوات" في زمن ما بعد الطائف أقل تساهلاً في السياسة. ومنذ أيلول 1991 حين وقف قائد "القوات اللبنانية" يومذاك في خطابه في قداس شهداء "القوات" في حريصا وشنّ أعنف هجوم سياسي على السلطة التي كان السوري يبنيها، وأعلن رفض كل منطق المحاصصة الذي كان أركان السلطة يدعونه إليه، بدا واضحا أن استيعاب "القوات اللبنانية" ليس أمرا يسيرا، فبدأت حملة رسائل أمنية بحق القواتيين شملت اغتيال عدد من المسؤولين في عدد من المناطق، ومنهم نديم عبد النور، وسليمان عقيقي، وسامي أبو جودة، وإيلي ضو وغيرهم إضافة الى اختطاف عضو المكتب السياسي الكتائبي المحسوب على "القوات" بطرس خوند.
رسائل مباشرة وغير مباشرة
ولم تكتف السلطة القائمة بذلك، بل عمدت الى ممارسة شتى أنواع المضايقات من اعتقالات واضطهاد بحق مناصري "القوات اللبنانية"، فأقدمت على سبيل المثال على اعتقال حوالى 30 طالبا ومسؤولا طالبيا في كانون الثاني 1992 في مكتب مصلحة الطلاب في الأشرفية، بحجة المراهنة على فوز الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في الانتخابات الرئاسية الأميركية للقيام بانقلاب في لبنان!
هكذا كانت الرسائل تتوالى فصولا. ومن أبرز الرسائل المباشرة ما حدث بين 23 و24 تموز 1992 حين دهمت القوى الأمنية المبنى الذي كانت تشغله "المؤسسة اللبنانية للإرسال" في جونية تحت ذريعة استرجاعه، والهدف كان ضرب المؤسسة التلفزيونية التابعة لـ"القوات"، قبل أن تقدم الأجهزة الأمنية على محاصرة مقر الدكتور سمير جعجع في الكرنتينا وإرغامه على مغادرته نحو غدراس في عملية مدروسة هدفت الى إخراج جعجع من بيروت بما في الأمر من رمزية سياسية.
واستمرت الرسائل وصولا الى المباشر منها حين أرسل الرئيس الراحل الياس الهرواي بطلب كل من السيدين بيار الضاهر ونادر سكر وطلب منهما نقل رسالة الى جعجع، مفادها أن ثمة غيوما سود تتلبد آتية من الشرق، وذلك كما أورد الهرواي في كتاب مذكراته.
ولكن جعجع لم يرضخ، ما أوصل الأوضاع الى محاولة أولى بتفجير البيت المركزي لحزب الكتائب اللبنانية في الصيفي ومحاولة الإيحاء بتورط "القوات"، قبل أن تحصل الجريمة الأخطر بتفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل، لتأمين مخرج لاتهام "القوات" وإصدار قرار بحل الحزب في مجلس الوزراء بتاريخ 23 آذار 1994.
عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب أنطوان زهرا يعتبر أن "القوات اللبنانية بقيت عصية على الحل لأنها تعبّر عن حالة نضالية لمقاومة عمرها أكثر من 1400 عام تستمر كل مرحلة وفق المقتضيات التي تفرضها الظروف. لذلك لا يمكن حلّ "القوات" عمليا، ولذلك تبقى فاعلة ومستمرة. وحتى عندما كانت "القوات" تدافع عن حريتها كانت بالفعل ذاته تدافع عن حرية من يعتدي عليها، لأنها تؤمن أن لبنان مساحة حرية مشتركة لا يمكن فيه لأحد أن يلغي الآخر".
الحلّ تم خلافا للقوانين
أحد وكلاء حزب "القوات اللبنانية" المحامي فادي ظريفة يشير الى أن "قرار حلّ الحزب عام 1994 جاء مخالفا لأبسط القواعد القانونية لأنه تمّ قبل صدور أي حكم أو قرار قضائي بإدانة الحزب في تهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة، ما يؤكد أن القرار صدر بخلفية سياسية بحتة. فمجلس الوزراء يومذاك، وبإيعاز سوري، اتخذ القرار من دون انتظار حكم القضاء. لذلك، فإن حل الحزب بالشكل الذي تم فيه من دون ثبوت ضلوع "القوات" كهيئة معنوية في التهمة المنسوبة إليها يعتبر مخالفا لكل القوانين والأعراف. كما أنه، وتأكيدا للأمر، تم اعتقال الدكتور سمير جعجع وسوقه الى سجن وزارة الدفاع حيث أبقي فيه لفترة طويلة، وهو سجن غير شرعي، وتم تشريعه في وقت لاحق لتغطية ما يحصل من مخالفات هائلة وإعطاء طابع قانوني لما يجري".
مرحلة الاضطهاد لم تستثن أي كادر قواتي. آلاف الشباب سيقوا الى السجون والمعتقلات وأخضعوا للتحقيقات من دون اي مسوّغ قانوني لدى أجهزة الاستخبارات ومن دون استنابات قضائية. كثرت موضة "زوّار الليل" كما سماهم البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير. سمع اللبنانيون بأخبار تعذيب أين منها أخبار غوانتانامو. من "البلانكو" الى الكرسي والدولاب و"الفروج" وكرسي الكهرباء الى الكثير الكثير من أساليب ابتدعها خيال النظام الأمني، الذي ارتاح بعد ضرب "القوات" وبدأ يرسي أساليبه من دون أي رادع قانوني.
سمع اللبنانيون بوفاة فوزي الراسي عام 1994 تحت وطأة التعذيب. أذهلتهم أخبار أنطوانيت شاهين التي أبقيت قيد الاعتقال أكثر من 5 أعوام ذاقت خلالها الأمرّين، ولم تكن قد تجاوزت الـ18 ربيعا من عمرها بعد، قبل أن تنال حكم البراءة عام 1999.
ويشرح ظريفة: "تمت ملاحقات جماعية لمناصري "القوات اللبنانية" بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الحياة السياسية في لبنان، وخصوصا لجهة إلزام كل من تم استدعاؤهم الى التحقيق بالتوقيع على كتاب غير قانوني يتعهدون بموجبه بعدم التعاطي في الشأن السياسي، ما يخالف مقدمة الدستور وكل المواثيق المتعلقة بشرعة حقوق الانسان. وإضافة الى ذلك جرت ملاحقات قضائية مبنية على تحقيقات إما غير قانونية وإما مفبركة بهدف الإضرار بالقواتيين لمنعهم من التعاطي في الشأن العام أو السياسي أو حتى الحزبي القواتي. وفي جزء كبير من الأحكام التي صدرت بحق قواتيين، لا تزال تداعياتها القانونية سارية بحق الكثير من رفاقنا لغاية اليوم. وهذا ما دفع بكتلة نواب "القوات اللبنانية" الى التقدم باقتراح قانون يرمي الى العفو عن كل الأحكام الصادرة بتاريخ سابق لـ26 نيسان 2005، تاريخ انسحاب الجيش السوري من لبنان، وذلك باستثناء الجرائم المحالة على المجلس العدلي والمحاكم الدولية".
ترسبات عالقة
رغم كل ما تقدم، لا تزال ترسبات أخرى عالقة جراء حل حزب "القوات" وما تلاه من اتهامات باتت أشبه بالمعلبات الجاهزة، يستحضرها بعضهم ساعة يشاء لأسباب سياسية. هكذا تظل التهمة بالعلاقة مع إسرائيل "فزّاعة" يحاول بعضهم إطلاقها ساعة يرى أن مصالحه تقتضي مهاجمة "القوات" سياسيا، في حين ينبش البعض الآخر ملفات من الحرب يزوّر بعض وقائعها على هواه لإلصاقها أيضا بـ"القوات". ماذا عن هذا الواقع المستمر؟ وما هي أسبابه؟
زهرا يعلق: "ما يحصل بكل بساطة سببه أن من استسلم لحلم إلغاء "القوات اللبنانية" واقتلاعها من وجدان الناس وذاكرتهم لا يزال مستسلما لهذا الحلم، فيما هو مستسلم في الواقع لزمن الوصاية ولرهانات خاطئة وعدم إدراك أن هذا الزمن انتهى ولن يعود أبدا. ويجب أن يقتنع أن زمن تركيب الملفات وتزوير الحقائق ولّى الى غير رجعة. في المقابل نحن نعتبر أن الحفاظ على حرية "القوات" ووقف التزوير هما لمصلحة الجميع وللحفاظ على حريات كل الأحزاب، وأن الاستسلام لأي عدو للبنان، سواء كان صديقا يحاول الهيمنة على القرار اللبناني أم عدوا يريد إلغاء لبنان، هذا الاستسلام لا يمتّ لإرادة اللبنانيين بصلة ويؤذي لبنان. ونحن نرى أن كل هذه الاتهامات والملفات سقطت أمام الرأي العام اللبناني والعربي والدولي، بدليل التحالف الوطني العريض الذي تنضوي "القوات اللبنانية" في صفوفه، أي تحالف قوى 14 آذار، أو حتى بدليل ما نراه من انفتاح عربي على "القوات" وتفهم لأفكارنا، بعدما صار بإمكاننا التواصل مع الدول العربية بشكل مباشر. "القوات اللبنانية" لم تغيّر خطابها على الإطلاق بل تمكنت من أن توصل أفكارها ومبادئها التي رفعتها تحت شعار "لبنان أولا" ومشروع قيام الدولة الفعلية من دون أي تشويه لأفكارها، وخصوصا بعدما آمن الجميع بهذه الأفكار ورفعوا الشعارات نفسها وتوحّد النضال بعدما توحدت الدماء التي سالت في سبيل الاستقلال اللبناني".
أما عن العمل الحزبي المنظم والمنتظر فيشرح ظريفة الذي شارك في وضع النظام الداخلي الجديد المزمع درسه: "تم تشكيل لجنة وضعت النظام الداخلي الجديد للحزب ورفعته مرفقا بملخص له الى الهيئة التنفيذية للحزب التي اتخذت قرارا إثر حوادث 7 أيار 2008 وما أعقبها من تطورات سياسية بتأجيل البت به الى ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة حيث سيصار بعدها الى عرضه على المؤتمر العام للحزب لمناقشته وإقراره بصيغته النهائية وإبلاغ الدوائر المعنية في وزارة الداخلية بمضمون النظام الجديد والبدء بتنفيذ أحكامه فورا، انطلاقا من انتخاب رئيس ونائب رئيس وهيئة تنفيذية جديدة للحزب. "القوات اللبنانية" تعمل وفقا للأنظمة والقوانين المرعية الإجراء، ونحن نؤكد أن ما حصل من سيناريوهات عام 1994 لا يمكن أن يتكرر لأن الظروف تغيّرت كليا وما حصل انتهى بالنسبة إلينا، ونحن نتطلع الى قيام مشروع الدولة والى مستقبل لبنان بأمل وعزم كاملين".
من جهته يلفت زهرا الى أن "القوات اللبنانية جهدت بعد عودتها الى الساحة السياسية والى مواقع المسؤولية في إقناع الجميع، وخصوصا في الإدارات ومؤسسات الدولة الى أن "ما حصل معنا من ظلم لن نقبل بأن يتكرر مع غيرنا، ولذلك احتاج بعضهم الى وقت ليقتنع بأننا لا نبحث عن أي انتقام بل نسعى الى قيام مؤسساتنا بشكل دستوري وقانوني وشفاف. ولذلك نجد اليوم مؤيدين كثراً لنا في هذه الإدارات، بعدما تيقنوا من أهدافنا ومشروعنا الذي باتوا يشاركوننا به".
طوني أبي نجم