هل يحقّ لحزب اللّه حفظ حقّه عبر مصادرة حقوق الأقليّة؟
إبراهيم الامين
ثمة سؤال كبير لا يمكن أحداً الإجابة عنه الآن، وهو: هل مصلحة المقاومة تقتضي أن تربح المعارضة الانتخابات النيابية المقبلة؟ وهل الحزب، بوصفه قوة سياسية داخلية، يسير في السياق الداخلي الذي يوفّر معطيات جديدة من شأنها تعزيز، أو تهديد، مشروع المقاومة الذي يمثل أولوية مطلقة لدى الحزب؟ في انتظار الأجوبة، فإن السؤال النقدي الذي يحتاج إليه الحزب، في سياق العملية الانتخابية، ليس هو نفسه الذي يمكن توجيهه إلى الآخرين، الآخرين كافة من دون استثناء، باعتبار أن الحزب سيظل، حتى إشعار آخر، القوة المركزية في المعارضة. وهي الحالة التي يواجهها تيار «المستقبل» في فريق 14 آذار. وهذا الكلام لا يعني البتة أن بقية قوى المعارضة تسير بإمرة الحزب أو تأخذ بما يقوله باعتباره كلاماً يُسمع ويُطاع ومطالب لا ترد. لكن الفكرة ترتبط عميقاً بالحقوق التي يدافع الحزب عنها لنفسه ولا يمنعها عن صاحبها، ولو كان في مكان آخر.
وإذا لم يكن الحزب هو الطرف القادر وحده على خوض معركة تغيير شاملة تفرض قانوناً جديداً للانتخابات يوفّر تمثيلاً أوسع وأكثر صحة على مستوى البلاد، فإن إدارة التحالفات السياسية ليست كلها خارج سيطرته أو نفوذه أو تأثيره. وهذا الأمر لا يفرض عليه أن يأخذ بمطالب القوى والشخصيات والتجمعات والتيارات التي تريد منه أن يضيفها إلى لوائحه أو إلى اللوائح المدعومة منه. بل إن هذا الفهم لأصل الحقوق يفرض على الحزب مقاربة أخرى لملف الانتخابات، لكونها آلية للتعبير السياسي لدى الجمهور، ولكونها المناسبة الوحيدة لعكس الشرعية الشعبية إلى شرعية تمثيلية في المؤسسات التي تدير الدولة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن حزب الله، مثله مثل أي قوة سياسية، له الحق الكامل، وهو حرّ في اختيار من يرغب من الحلفاء، وليس لأحد أن يملي عليه آلية اختياره هؤلاء الحلفاء، أو قبوله بهذه الشروط ورفضه اقتراحات آخرين، وليس لأحد في البلاد وخارجها الحق في تقديم الدروس إلى الحزب في طريقة وضعه للمعايير التي تناسبه في اختيار ممثليه في المجلس النيابي أو اختيار المستقلين الذين سرعان ما يصبحون في قلب كتلته أو على ضفافها.
لكن في المقابل، لأن حزب الله يمثّل في موقعه السياسي طرفاً ساعياً إلى التغيير الحقيقي، فهو يطمح إلى تغيير استراتيجي على مستوى المنطقة، ويعدّ العدة لذلك، وهو يأخذ في هذا الخيار البعد الذي يصفه خصومه أو بعض الخائفين، بالمغامرة. أي إنه يتجاوز الواقعي من مستوى تطلّب غالبية الجمهور لطرح شعارات وأهداف تجعل كثيرين يخشون أن تكون في مصاف المغامرة، علماً بأن تجربته في المقاومة دلت على العكس، وإن كانت كلفة العملية التغييرية غير عادية.
وعندما يعود الحزب إلى الداخل، يسند نفسه إلى حائط الواقعية دفاعاً عن وجهة تبدو تحايلية، ويصبح شديد الواقعية إلى حدود يفقد معها قوة التغيير الكامنة داخله ولدى جمهوره. وربما أمكن الحزب أن يدافع عن خياره هذا، وهو حر في ما يراه مناسباً له في الداخل أو في ما يخص دوره الإقليمي.
لكن المشكلة ليست في ذلك، بل في أن الحزب الذي يجاري الوضع السياسي الداخلي، يقبل بقواعد اللعبة نفسها. تلك القواعد التي يحرص الطائفيون من الذين يمسكون برقاب البلاد والعباد على حمايتها منذ قيام هذه الدولة الوهمية، أي تلك التي تحصر التمثيل السياسي بمجموعات لها تمثيلها الحقيقي، لكنه ليس التمثيل الكامل. وهي القواعد التي تمنع على الآخرين من خارج هذا النادي الحصول على شرعية شعبية مكرّسة في مؤسسات الدولة. القواعد التي تسيّر البلاد نحو الهاوية عندما يبدأ البنيان بأساس مهترئ في قاعدته الاشتراعية ويستمر الفساد ناخراً كل ما يركب فوقه من حكومات وإدارات ومؤسسات عامة.
فالحزب الذي يعرف أن القانون الحالي للانتخاب غير منصف، ولا يتيح تعبيراً جدياً عن التمثيل، يجدر به أن يتعامل مع الأمر بحركة تغييرية على مستوى منخفض، مثل أن يقبل بأنه ومعه الحلفاء التقليديون من القوى السياسية والشخصيات، يمثلون في أحسن الأحوال ما نسبته70 في المئة من جمهور المناطق الخاضعة لسيطرتهم الانتخابية. وفي هذه الحالة، لا يمكن الحزب أن يفرض على الـ30 في المئة الباقيين من يمثلهم، وبما أن القانون يعتمد نظام الاقتراع الأكثري، فإن الحزب يعرف أنه لن يكون متاحاً لأي آخر أن يفوز بمقعد نيابي.
تالياً، ليس مطلوباً من الحزب التنازل من حصته أو الطلب إلى حلفاء له، مثل الرئيس نبيه بري أو التيار الوطني الحر أو الحزب السوري القومي الاجتماعي أو الشخصيات التقليدية، التنازل لمصلحة قوى وشخصيات أخرى، بمعزل عما تمثله حقيقة، بل إن عليه الإقرار بحق الآخرين بالتنافس على 30 في المئة من هذه المقاعد، ولو من خلال القانون الأكثري، وساعتها يمكن الجميع أن يأخذوا فرصتهم في السعي إلى تحقيق تمثيلهم، وتصبح اللوائح غير المقفلة بديلاً أو علاجاً لغياب النسبية، وهو أمر متاح. كان متاحاً، ولا يزال متاحاً لمن يريد، ولمن بيده الأمر… وخصوصاً في الجنوب والبقاع.
مؤسف أنه في كل دورة انتخابية، يتطلع كثيرون إلى أن تُخاض معركة تصحيح التمثيل، ثم يجد هؤلاء أنفسهم مع أسئلتهم أمام جهة واحدة موثوقة وتستحق السؤال مثل حزب الله… اللهم، إلاَّ إذا كان خلاص هؤلاء بأن يصرخوا: أدركنا يا مهدي!