تسـابق علـى مئـات الأصـوات الحاسـمة فـي الدوائـر المسـيحية شـمالاً
معـارك علـى التمثيـل تسـتثمر فـي الحسـابات السياسـية والطائفيـة
خضر طالب
تفككت المعطيات المترابطة الخاصة بالتشكيلات الانتخابية في دوائر الشمال المسيحية الأربعة: بشري، زغرتا، البترون والكورة، وبات يمكن «استفراد» حسابات كل دائرة على حدة بعد أن حسم كل الأطراف خياراتهم على قواعد سياسية صرفة، باستثناء حالة خاصة في بشري، وليتضح بالتالي أن المعارك الانتخابية في هذه الدوائر عادت لتوحّدها تحت العنوان السياسي الخاص بتمثيل المسيحيين.
فالمواجهات التي تجري الاستعدادات لها على قدم وساق، أنجزت عملية «التخندق» السياسي الذي يفصل بين جبهتين تتنازعان على القرار والمرجعية المسيحية، وباشرتا «التقنيص» المتبادل لإزاحة ـ أو تعطيل ـ أصوات «مؤذية»، وأحياناً لـ«اقتناص» أصوات مؤثرة ومفيدة في المواجهة بـ«الاستمالة» أو بـ«الخطف»… ولو «على الهوية».
وعلى وقع تلك الأجواء خرق النائب السابق جبران طوق الاعتبارات السياسية في بشري و«عكّر» على القوات اللبنانية إمكانية تحقيق «انتصار ساحق» في المقعدين المارونيين كانت تتحضّر للاحتفال به مبكراً بـ«انكفاء» الخصم السياسي و«استسلام» الواقع العائلي للتركيبة التي اختارتها القوات عن تلك العائلات، فنجح طوق في «ضخّ» بعض المعنويات إلى خصوم القوات عبر ترشحه منفرداً، بما يفتح الباب أمام حصول تشطيب على مرشحي القوات النائبين ستريدا جعجع وإيلي كيروز انطلاقاً من محاولته إعادة إحياء التوازنات العائلية التي كانت تقوم تاريخياً في بشري قبل دورة انتخابات 2005 التي حاولت فيها القوات المزج بين تلك التوازنات العائلية وبين الانتماء الحزبي.
ومع أن القوات اللبنانية التي تتمتع بحضور قوي جداً في هذه الدائرة توحي بأنها واثقة من النتيجة، إلا أنها تستعد لإطلاق ماكينتها الانتخابية خشية أن تؤدي الثقة المفرطة إلى برودة في أوساط مناصريها يوم الانتخابات، مما يسمح لخصومها بتسجيل خرق غير محسوب، على اعتبار أنه كلما ارتفعت نسبة الاقتراع تأكدت من حسم النتيجة استناداً إلى بعض الدراسات التي أجرتها ماكينتها.
لكن المفاجأة قد تأتي من غير مكان في بشري، خصوصاً في ظل ارتفاع عدد الطامحين بالترشح من العائلات أو من قواتيين سابقين، على غرار خطوة القواتي السابق رشيد رحمه، فضلاً عن ترشيحات عديدة من قرى القضاء التي لطالما التزمت بالتوازنات العائلية في مدينة بشري، ويشكل حصول ترشيحات من هذه البلدات «تعطيلاً» لمجموعات مهمة من الأصوات التي تصب في خانة تأييد القوات. لكن اللافت حتى الآن هو انكفاء التيار الوطني الحر وتيار المردة عن اتخاذ خطوات جدية نحو خوض معركة مواجهة مع القوات، لاقتناعهما بصعوبة خوضها مباشرة، وبالتالي اللجوء إلى دعم مشروع خرق يعمل له النائب السابق جبران طوق.
لكن الصورة في دائرة قضاء زغرتا مغايرة تماماً لواقع بشري، حيث تتواجه الاصطفافات السياسية، انطلاقاً من وقائع عائلية، على ثلاثة مقاعد مارونية، كما أن توازن المعركة الانتخابية في هذه الدائرة ما زال، بنسبة عالية، على عكس توازن بشري، من دون أن يعني ذلك أن هناك نتائج محسومة.
فالطرفان المعنيان بالمواجهة أبكرا في حسم الخيارات الانتخابية بإنجاز التحالفات وتشكيل اللوائح من أجل التفرّغ لإدارة المواجهة التي ستكون ساخنة جداً، بغض النظر عن توازن القوى فيها.
لكن تشكيل اللائحتين ترك خلفه ضحايا وتسبب بإضعاف بعض الخطوط المتقابلة، ولم تنجح كل الجهود حتى الآن في إعادة تحصين الخطوط ومعالجة المشكلات التي نشأت بفعل إغفال بعض الحلفاء.
فرئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية الذي كان البادئ زمنياً بإعلان لائحته، التي تضمه مع الوزير السابق اسطفان الدويهي وسليم كرم، كان يعتقد أن مسألة ترشيح منسق التيار الوطني الحر العميد فايز كرم يمكن معالجتها لاحقاً بعد أن تصبح اللائحة أمراً واقعاً، فضلاً عن أنه راهن على جهد خاص من العماد ميشال عون في هذا الشأن، إلا أن طريقة المعالجة من قبل فرنجية مع العميد كرم لم تلامس الحل الجدّي بسبب عدم رغبة فرنجية بالتدخل في شؤون التيار الوطني الداخلية، كما أن أسلوب العماد عون في التعاطي مع هذا الترشيح «لم يقف على خاطر» كرم، مما خلق مشكلة مزدوجة بات يصعب حلها من دون مبادرة مباشرة من العماد عون تجاه العميد كرم وكذلك مبادرة موازية من فرنجية نحوه.
ويشكل استمرار ترشيح العميد كرم نقطة ضعف في أحد أعمدة فرنجية الانتخابية، وبالتالي يؤدي إلى قراءة متباينة للواقع الانتخابي الذي كان سائداً في زغرتا منذ انتخابات العام 2005 لجهة توازن القوى الذي لن يختلّ، لكنه يفتح ثغرة قابلة للتوسّع…
أما في الجبهة المقابلة، فإن إقدام رئيس حركة الاستقلال ميشال معوض، الذي يخوض أول انتخابات له بدلاً عن والدته النائبة نائلة معوض، على إعلان لائحته مبكراً أيضاً من «تلوينة» عائلية أيضاً في زغرتا قطع الطريق على «الحليف» النائب سمير فرنجية على قاعدة الحسابات الرقمية، وهو ما تسبب بارتباك أيضاً مع الحلفاء الذين لم تؤت ضغوطهم ثمارها بإعادة النائب فرنجية إلى اللائحة التي ضمت إلى ميشال معوض النائب الحالي جواد بولس ويوسف الدويهي، برغم طرح أكثر من صيغة بديلة كان أبرزها الموافقة على ترشيح فرنجية في زغرتا مكان يوسف الدويهي وترشيح النائب السابق قيصر معوض عن المقعد الماروني في طرابلس شرط أن يقترع أنصاره في زغرتا لمصلحة لائحة ميشال معوض، إلا أن هذه الصيغة لم تبصر النور بسبب إصرار ميشال معوض على أسماء لائحته، فعاد طرح النائب سمير فرنجية عن المقعد الماروني في طرابلس في حين بقي قيصر معوض منفرداً في زغرتا، لتقفل الاتصالات على هذه الصيغة بشكل نهائي، مبدئياً، ولتتجه زغرتا نحو معركة انتخابية تحت العناوين السياسية إنما بـ«عتاد» عائلي…
وتتمدّد العناوين السياسية للمعارك الانتخابية في الساحة المارونية إلى دائرة البترون على المقعدين المارونيين، حيث لم تنجح قوى 14 آذار في تفكيك الألغام التي تهدد بنسف كل حساباتها الانتخابية السابقة، وتفتح الباب على مصراعيه نحو قراءة جديدة لتوازنات البترون الانتخابية وكذلك للنتائج المتوقعة فيها.
فالنائب بطرس حرب الذي «ضاق صدره» من الكباش بين القوات اللبنانية التي تريد الاحتفاظ بمقعد النائب أنطوان زهرة وبين حزب الكتائب الذي يريد «استعادة حقه» بهذا المقعد، سياسياً ووراثياً، عبر التمسك بترشيح سامر جورج سعادة الذي كان انسحب من المعركة في العام 2005 على وعد بترشيحه في 2009، وهو ما يؤدي إلى استمرار التجاذب الذي تجاوز أذاه مصير هذا المقعد إلى المقعد الثاني في البترون الذي كان حتى الأمس القريب «مضموناً» للنائب بطرس حرب، خصوصاً إذا أضيفت إلى حالة التجاذب الترشيحات الأخرى من قبل شخصيات أخرى من قوى 14 آذار ترى أنها أحق من القوات اللبنانية ومن مرشح الكتائب بهذا المقعد لاعتبارات تاريخية أو حزبية سابقة أو مناطقية أو عائلية، حيث سجل ترشيح أكثر من ثلاث شخصيات بارزة ستواصل معركتها ربما عبر تشكيل لائحة ثالثة من بين المرشحين: النائب السابق سايد عقل ونبيل حكيم وسجعان غصن (الحزب الشيوعي)، خصوصاً إذا ما استمر النزاع القواتي ـ الكتائبي الذي قد لا يجد طريقه إلى الحل إلا على حساب القوات شرط أن يتمّ تعويضها عن هذا المقعد بمقعد آخر ربما في دائرة شمالية أخرى، وعلى الأرجح حينئذ ستكون في عكار.
في المقابل، أخذت مشكلة المقعد الثاني في لائحة التيار الوطني الحر طريقها نحو التسوية بعد الاجتماع الذي عقده الوزير جبران باسيل مع المرشحين الثلاثة من المنطقة الجردية: فايق يونس وجورج مراد وفيليب طربيه، وتمّ التفاهم فيه على وضع ترشيحاتهم بتصرف العماد ميشال عون لاختيار أحدهم، مع تأكيدهم على السير بما يختاره، وهذا ما ساهم في تزخيم لائحة التيار الوطني في دائرة البترون في معركة على بضع مئات من الأصوات ستكون حاسمة في ترجيح كفة الفائزين، والتي ستؤدي أيضاً إلى ترجيح كفة التمثيل الماروني في الشمال، وهو ما يعطي معركة البترون بعداً خاصاً جداً.
أما في القضاء الأرثوذكسي الشقيق المتمثّل بدائرة الكورة، فإن الصراع محتدم على المقاعد الأرثوذكسية الثلاثة مدعّماً بزخم سني وماروني فاعلين وشيعي مؤثر، خصوصاً أن صورة اللائحتين المتقابلتين قد أنجزت بالكامل بعد أن حسم العماد ميشال عون اسم مرشحه لمصلحة جورج عطا الله الذي سينضمّ إلى الحليفين النائب السابق فايز غصن عن تيار المردة والنائب السابق سليم سعادة عن الحزب السوري القومي الاجتماعي، لتصبح بذلك اللائحة جاهزة للإعلان قريباً وانطلاق المواجهة الساخنة جداً مع لائحة قوى 14 آذار التي تضم النواب الحاليين فريد مكاري ونقولا غصن وفريد حبيب عن القوات اللبنانية، من دون أن يمنع ذلك عدداً من المرشحين من متابعة معركتهم بعد أن استبعدتهم اللائحتان، ومن بينهم جون مفرج الذي كان مطروحاً من الكتائب للحلول مكان القواتي فريد حبيب وجورج البرجي الذي لم يرشحه الحزب القومي وربما غبريال دريق من أنفه الذي كان مرشحاً للدخول إلى اللائحة بدل جورج عطا الله.
ومع انطلاق المعركة التي ستكون ساخنة جداً ومفتوحة على كل الاحتمالات، حتى تلك التي ترجح فوز لائحة كاملة من بين اللائحتين الأولى والثانية، تجري كل الأطراف حساباتها للحصول على أي صوت انتخابي قد يكون فاصلاً بين المرشحين، ومن دون أرجحية مسبقة لأي منهم.
وتبدو معركة الكورة على المقاعد الثلاثة، التي فقد كل المرشحين إليها «حصانتهم» فيها، هي الأكثر سخونة بين الدوائر المسيحية الشمالية، بسبب وجود شريحة كبيرة من الناخبين غير الملتزمين سياسياً والذين سيجدون أنفسهم مضطرين للتصويت السياسي ولو بدوافع شخصية أو عائلية أو خدماتية.
لكن الأهم من كل معطيات المعارك في الدوائر المسيحية الأربع، أن التمثيل المسيحي في الشمال سيخرج حكماً في الانتخابات المقبلة من الدائرة التي كان موجوداً فيها على مدى أربع سنوات، وأن هذا الخروج سيكون بمثابة انقلاب من ضفة إلى أخرى ليساهم في الاصطفاف العام وحسابات الأكثرية والأقلية النيابية، وبالتالي لن يكون هذا التحول المرتقب في الانتماء السياسي لممثلي هذه الدوائر بمثابة إعادة تموضع… إلا أن الاستثمار الأكبر سيكون في حساب حجم التمثيل المسيحي…