في ضوء المفاوضات الصعبة التي خاضها الطاشناق على صعيدي بيروت الأولى والمتن
هل يمكن للكتلة الأرمنيّة أن تلعب دوراً وسطياً بعد الانتخابات؟
جورج علم
يثير حزب الطاشناق منذ مدّة، فضول المنغمسين في شؤون الانتخابات والتحالفات والدوائر، ونجح في أن يضع نفسه في دائرة الاستقطاب، ويجذب اهتمام القادة، وخصوصا المعنيين بتشكيل اللوائح في المتن الشمالي، وبيروت الأولى.
وكانت قوى 14 آذار في راحة بال نتيجة التحالف مع النائب ميشال المّر، حتى أن الأخير كان يبني حسابات التحالف على أساس أن «هذا الرصيد الصافي يمكن البناء عليه، وتوظيفه وفق مقتضيات الظروف والمصالح المشتركة»، وفجأة تغيّر المزاج، وأصبح التحالف مشروطاً، والرصيد مجمداً الى حين التفاهم على «القيمة المضافة؟!».
وبدا الحزب على جبهة العماد ميشال عون كقوة تجييريّة لا بدّ منها لمواجهة جرّافة المر في المتن، ومحدلة قوى 14 آذار. وعندما كان المر يتصدر صالون الرابية، كان الحزب يمثّل «الأقنوم الثالث» الرابط بين القطبين، والمنسّق ـ الجامع بين طروحاتهما وتبايناتهما، لكن عندما حصل الطلاق، حرص الحزب على لعب دور الوسيط، وإعادة وصل ما انقطع، وعندما اتسع المدّ، وزاد التباعد، ارتفعت قيمة المهر، وكثر طالبو القرب، وأصبح الحزب في الموقع المرجّح لهذه الكفّة أو تلك. جماعة التيار ينامون على حرير الضمانات التي وفّرتها تفاهمات عميقة بين الجنرال وقيادة الحزب، والتي تحولت عند المنشغلين بالأرقام واستطلاعات الرأي الى قوة انتخابيّة تجييريّة، يمكن التعويل عليها للحدّ من اندفاعة الجرّافة والمحدلة، على اعتبار أن للمتنافسين قواهم الظاهرة وأحجامهم المعروفة، وتأتي الكتلة الأرمنيّة الناخبة لتميل بالكفة لهذا القطب أو ذاك نتيجة القوة التجييرية التي يحسب لها حساب.
ويقول بعض مدققي الانتخابات إن قيادة الحزب باتت تعرف من أين تؤكل الكتف بما تملك من خبرة في خصوصيّة المتن الانتخابيّة وتركيبته السياسيّة الدقيقة، فجاء العرض الذي قدّم للمر مفخخا، وعلى قاعدة أن التصويت له وحده قد يثير حفيظة الحلفاء، ويزيد من وتيرة تشكيكهم وتساؤلاتهم عن صدقية التحالف ومردوداته الانتخابية، وما إذا كان تبادل الأصوات ممكناً في عمليّة شفافة، وفي إطار من الثقة، أم أن في الأمر تخوفا من مردودات غير محسوبة بدقّة، وعلى قاعدة انه إذا كان المر سينطلق من قاعدته الشعبيّة، ثم من القاعدة الطاشناقيّة التي توفر له ما بين 8 الى 10 آلاف صوت، فهذا يعني أن الفارق ما بينه وبين الثاني في اللائحة سيكون ما بين 15 الى 20 ألف صوت، ومثل هذه النتيجة أو المعادلة لا يمكن هضمها بسهولة من الشركاء في اللائحة، خصوصا من مرشح حزب الكتائب، الأمر الذي لا بدّ من أن يؤسس لردّة فعل عكسيّة على مستوى القاعدة تنتهي الى انهيار جدار الثقة بين أنصار هذا المرشح أو ذاك، قد تترجم عمليّا بحملة تشطيب واسعة متبادلة.
وجرت محاولات لتجاوز هذا المأزق عن طريق الحوار وأوراق التفاهم مع القيادات المتحالفة، لكن «البورصة» لم تستقر، لا بل سجّلت نقزة نوعيّة عندما جاء من يقول للمر إن الطاشناق قد يضطر لقطع حبل الصرّة، وفك التحالف، وعدم التصويت إذا قرر تقديم لائحة مقفلة…
وبانتظار أن تستقر الأوضاع على جبهة التحالفات المتنيّة، وتستكمل اللوائح، ويتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، يبرز دور الطاشناق مؤثرا في الدائر الأولى في بيروت حيث خاض مع رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري مفاوضات صعبة، انتهت الى افتراق، كان الخيار الصعب بعدما انهارت كلّ العروض التوفيقيّة التي طرحت على الطاولة.
واللافت في الأمر أن الحقائق الماثلة على أرض الواقع قد تخطّت سيل الاجتهادات والتحليلات التي رافقت الأداء الطاشناقي، ورحلة مفاوضاته الطويلة، إن مع المر، أو مع الحريري، والدليل أنه لم تبرز مؤشرات حيّة منطقيّة تؤكد أنه «حزب الأميركيين في لبنان»، وان «ما تجود به السفارة في عوكر من إملاءات وتوجهات يؤخذ بها فورا وتوضع موضع التنفيذ»، والدليل كان إصرار الحزب على التعاون مع العماد عون حليف «حزب الله» رغم أن الإدارة الاميركيّة تعتبر هذا الحزب «إرهابيا»…
وهناك الوسطيّة التي نادى بها المر يوما، وفهمها الشارع على أنها حزب رئيس الجمهورية الوسطي ـ التوافقي، وكان المر قد انطلق في الحسابات على أن الطاشناق قد يعود من رحلة تحالفاته الطويلة المعقّدة ـ المتشابكة، ليرفع لواءها ويحمل علمها على اعتبار أن الكتلة النيابيّة الأرمنية في المجلس النيابي كانت على مر التجارب والسوابق كتلة رئيس الجمهوريّة. وهناك من لا يزال يحاول أن يضرب على هذا الوتر الحساس لعلّ وعسى تحصل معجزة ما على مستوى التحالفات فيعاد النظر في بعضها، وتثبّت نهائياً في بعضها الآخر، إلا أن الحقائق قد دحضت التوقعات عندما أعلن الحزب الطاشناقي عن خياراته الانتخابيّة… و«بعد الانتخابات يكون لكل حادث حديث، وربما يصبح من المفيد عندها الحديث عن الكتلة النيابية الأرمنية في المجلس النيابي، وكم سيكون حجمها؟ وأين يفترض أن يكون موقعها؟ وهل ستكون في الوسطيّة، أم كتلة رئيس الجمهوريّة، أم تبقى موزّعة على جبهة التحالفات السياسيّة ـ الانتخابيّة؟».
وإذا كان لا شيء ينبت من الفراغ، فإن الفراغ الذي يسعى الطاشناق الى ملئه على ساحة الانتخابات والتحالفات له خلفيات وامتدادات محليّة وخارجيّة معقدة بنظر دبلوماسيين متدرجين من مدرسة الحزب ومبادئه وخياراته. والدليل ـ كما يقول هؤلاء ـ أن الحزب قد فتح صفحة مشرقة مع دمشق في اللحظة التي كانت فيها واشنطن تخرج خيوط التواصل والحوار مع العاصمة السوريّة من الخفاء الى العلن، وايضا في اللحظة التي كان يرتفع فيها العلم السوري وسط شارع المقدسي في الحمراء إيذانا بفتح مكاتب السفارة السوريّة في لبنان. أما الحديث عن كتلة أرمنية ما بعد الانتخابات، وعن الموقع الذي ستختاره، والدور الذي تضطلع به، فهو شأن مستقبلي، ومهمة مؤجلة ستتضح معالمها بمعزل عن خيارات المر، وحسابات تكتل الإصلاح والتغيير، وتطلعات تيار المستقبل، خصوصا إذا كان ما ردده رئيس الوزراء وزير الخارجيّة القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في ختام أعمال القمة 21 الدوريّة، سيأخذ مكانه على الخريطة السياسية الداخليّة، ومفاده أن تيار التوافق في لبنان سيكون كبيرا وذا شأن بعد الانتخابات برعاية رئيس الجمهوريّة التوافقي، وبأن أركانه الأساسيين سيشكلون خليطا من قيادات في 8 و14 آذار؟!…
