الازدراء والشفقة
"كوادر القوات اللبنانية تلتقي اليوم لاحياء ذكرى حل الحزب في احتفال ضخم يتضمن كلمة لرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع يعلن خلالها اسماء مرشحي القوات لخوض الانتخابات النيابية في السابع من حزيران المقبل."
ماذا؟!!!
ما بال هذا التلفاز يهذي؟
أتراهم يعرضون وثائقياً يتضمن مقتطفات من احتفالات اعتادت القوات اللبنانية تنظيمها قبل ان نقضي عليها؟!!!
من؟ سمير جعجع…لقد رميناه تحت الارض وان عاد من هناك فلن يقوى حتى على السير فكيف باعادة تنظيم القوات والقاء الخطابات وخوض الانتخابات…؟
لا بد ان احدهم يهذي…
لقد انهينا هذا الحزب بعد ان سحبنا الرخصة المعطاة له، ودمرنا كافة مؤسساته، وصفيّنا بعض أعضائه وسجنا البعض الآخر ونفينا من تبقى منهم ومنعنا بث الاخبار على كافة المحطات التلفزيونية كي لا يتسنى للمواطنين معرفة حجم ما ارتكبناه.
من المؤكد ان احدهم يهذي…
لقد لفقنا التهم لعناصره وقادته ورمينا كل اوساخ الحرب عليهم وشوهنا سمعتهم وفجرنا الكنيسة واتهمناهم بفعلتنا واستخدمنا بعض المرتزقة ليشهدوا ضدهم وسخرنا بعض القضاة لادانتهم،
وسجنّا قائدهم بعد ان لفقنا له العديد من التهم ومنعنا عنه حق الدفاع عن النفس ومنعنا محامو الدفاع من الاختلاء به ورميناه في قفص صغير تحت الارض حيث لا شمس ولا هواء.
من البديهي ان احدهم يهذي…
لقد اقتدنا الآلاف منهم الى السجون ونكلنا بهم وارغمناهم على توقيع تعهدات بعدم ممارسة النشاطات السياسية وذلك بعد ان استخدمنا كافة وسائل التعذيب التي ابتدعتها مخيلاتنا.
لقد عذبنا فوزي الراسي على الكرسي الكهربائي حتى الموت واختطفنا المهندس رمزي عيراني يوم عيد ميلاد ابنته ثم قمنا بتصفيته وهددنا البعض منهم وارهبنا البعض الآخر وهجرناهم الى خارج البلاد… ثم يأتي من يقول انهم يقيمون مهرجاناً!!!ً وأين؟! في بيروت!!! ويعلنون اسماء مرشحيهم؟! وسمير جعجع يلقي خطاباً!!! لا، لا، ثمة خطأ ما بالتأكيد، ثمة من يهذي…
لكنه سمير جعجع بالفعل وهؤلاء أعرفهم، هذا الشموخ وهذا العنفوان أعرفه، هذه القامات، هذه الهامات، هذه الرايات اعرفها، انها القوات، انهم القوات.
ولكن كيف حصل ذلك هل كنت أحلم؟ هل أنا من يهذي؟
لقد فعلنا كل شيء كي لا يبقى لهم أثر، يبدو ان شيئاً فاتنا:
لقد نزعنا رخصة الحزب منهم الا اننا لم نستطع نزع روح المقاومة فيهم ولا استطعنا كسر ارادتهم ولا احباط عزيمتهم.
لقد وضعناهم في السجون الا اننا لم ننزع الحرية من صدورهم.
وقتلنا رمزي الا اننا لم نستطع زرع الرعب في نفوسهم.
والسجناء تحرروا والمنفيين عادوا والطلاب ازدادوا واطفال الشهداء كبروا…
آه ماذا فعلنا؟ تراهم يكنّون لنا الحقد بعد ما فعلنا بهم؟
ربما! لكنني لا أقرأ في عيونهم سوى نظرات الازدراء ولا اتلمس منهم سوى مشاعر الشفقة.