الفارق
أطل الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله قبل أيام ليعلن اسماء مرشحي الحزب وليس مشروعه الذي قال انه طويل لا يتسع المجال لقراءته التي أنيطت مهمتها برئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد. أما اليوم فيطل رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري ليعلن مشروع التيار لا اسماء مرشحيه.
أليس هناك من فارق؟ بالطبع هناك فارق جوهري سيتضح أكثر عند قراءة المشروعين اليوم وغداً (عندما يذيع النائب رعد مشروع "حزب الله") ان أعلى شخصية في الحزب اهتمت بتقديم اسماء المرشحين لا المشروع مما يعني ان الاهمية للاشخاص وليس للاوراق.
في المقابل، ان أعلى شخصية في "تيار المستقبل" يحرص على اعلان المشروع قبل مرشحيه بما يؤكد ان الاهمية معطاة للاوراق وليس للاشخاص.
كان بامكان السيد نصر الله مثلاً ان يستفيد من الفضاء التلفزيوني المتاح له قدر ما يشاء على غرار ما يفعل في المناسبات الدينية والحزبية فيذيع مشروع الحزب الانتخابي ثم يعلن اسماء مرشحيه في مهرجان حاشد. مثلما كان باستطاعة النائب الحريري ان يختم إعلان مشروعه بتعريف الجمهور على مرشحي التيار. لكن هذا او ذاك لن ولم يحصل. والاسباب عند "حزب الله" و"تيار المستقبل" تعود على ما يُظن الى:
– عند "حزب الله"، ان المشروع الذي سيعلن غداً ليس الا أمراً شكلياً. والجملة المفيدة فيه فقط ستكون تلك المتعلقة بالمقاومة والتي كتبها الفكر الايراني بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 ليؤكد فيها ان حدود الجمهورية الاسلامية يجب ان تصل الى "المياه الدافئة" في الشرق الاوسط، أي فلسطين. ومنذ ذلك الحين تواصل طهران بثبات انجاح مشروع "حزب الله" الذي كان أكثر الاطراف في لبنان تأهباً عندما اُجريت اول انتخابات بعد الحرب اللبنانية عام 1992 من اجل اثبات مشروعية المقاومة. من هنا يجب فهم هذا الزهد المتواصل عند "حزب الله" حيال القيام بواجبات الحكم تاركاً المهمة للحلفاء: السوري منذ عام 1990 وحتى عام 2005، ثم للرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم. ان "حزب الله" يفعل تماماً ما يفعله النظام الاسلامي الايراني. فهو هنا ولي الفقيه يمسك بناحية القرار الذي يتولى الآخرون تنفيذه. فاذا ما اختل الميزان ذهب "حزب الله" الى الحرب في تموز 2006 والى أيار 2008. ولا ضمان عند أحد غير الحزب لئلا تتكرر التجربتان.
– عند "تيار المستقبل"، ولد المشروع في الاعوام الاولى من حرب لبنان وقبل أن يبصر "حزب الله" النور. لقد كان كامناً في عقل وسلوك رجل اسمه رفيق الحريري الذي امتلك الى جانب شغفه بوطنه امكانات اقليمية ودولية عظيمة الشأن. وجاءت الفرصة أواخر عام 1992 عندما وصل الى رئاسة الحكومة فانطلق يحقق حلم إعادة اعمار وطنه مكتسحاً بامكاناته وعلاقاته كل الالغام التي تعترض هذا الحلم ومستبقاً سنوات الحكم بأعوام التعليم الذي وفّره بكل كرم وكرامة لعشرات الالوف من الشبان والشابات من ابناء بلده. لقد كان يدرك ان البشر المتعلم ثم الحجر المتألق سيعيدان لبنان الى خريطة العالم المتقدم. لم يخطئ اللبنانيون في الادراك عندما توحدوا بحراً بشرياً هادراً ابتداء من 14 شباط ولغاية 14 آذار 2005 ليعلنوا انتصارهم لحلم رفيق الحريري الذي يتحقق.
مرة أخرى يقف اللبنانيون وجهاً لوجه امام مشروعين: مشروع "حزب الله" الذي ينتمي الى زمن الحرب الباردة و"الافغان العرب" وتنظيم "القاعدة" الذي لا يقيم وزناً للحياة الدنيا إلا بمقدار التحضير لحياة الآخرة التي يرسمها ملالي طهران. ومشروع "المستقبل" الذي بدأ حلم رجل اسمه رفيق الحريري وتحول خطة عمل لجمهور 14 آذار العظيم الذي سيلهم سعد الحريري وكل قادة الاستقلال الا يخطئوا الحساب فيستهينون بما لديهم من امكانات شقت طريقها من زمن الحرب الباردة الى زمن السلام اللبناني.