#adsense

الحركة الاستقلالية أمام تحدّي الانتقال إلى حركة دستورية إصلاحية شاملة

حجم الخط

الحركة الاستقلالية أمام تحدّي الانتقال إلى حركة دستورية إصلاحية شاملة
الانتخابات مصيريّة.. أين الكتلة التاريخية؟

تحقّقت الأهداف التي حدّدتها "انتفاضة الإستقلال" لعام 2005. خرج الجيش السوريّ من لبنان، واعتقل أركان النظام الأمنيّ ـ إلا واحداً ينتظر (ولا ينفع ألف كتاب في "إنصافه")، وقامت المحكمة الدوليّة الخاصّة، وانتزع التبادل الدبلوماسيّ ـ بالحيلة الساركوزية…
السؤال الذي يطرح نفسه بالتالي، عشية الإنتخابات، وبعدها كذلك الأمر: ما هو مصير حركة حقّقت كل أهدافها وما الداعي لاستمرارها؟
فهل تكتفي هذه الحركة بالأمانة التراثية لسنوات النضال المشترك وتخليد الشهداء، على أهمية ذلك؟
أم تتحوّل هذه الحركة إلى لجنة متابعة موسّعة للأهداف المحقّقة، وتصير، بشكل أساسيّ، حركة "ساهرة" على ما أنجزته، أو حركة "استكمالية" على أبعد تقدير؟

أم تلجأ هذه الحركة لإبتكار قضايا من البقايا غير المنجزة للقضايا المحقّقة، وبالاستيحاء من "نظرية مزارع شبعا" التي اخترعتها منظومة الممانعة يوم تحرّر الجنوب، ليس فقط لاستمرار المقاومة بعد التحرير، وإنّما لاقتضاء توسيعها على حساب جهاز الدولة، واقتضاء تقاسمها التعطيليّ لجهاز الدولة نفسه؟ هل تكفي "مزارع شبعا" استقلالوية لتجديد الحركة الإستقلالية؟

وإذا كان استمرار وجود الخصم، الإقليميّ كما الداخليّ، يستلزم استمرار وجود الحركة الإستقلالية انطلاقاً من إحساس بتهديد عام يطاول جميع أركانها ويهدّد مصالح مجمل الشرائح والبيئات المنخرطة في إطارها، فهل يمكن الإتّكال على ذلك، بحيث تفتر همّة الحركة عندما تفرض الأجواء الإقليمية تبريداً أمنياً في لبنان، وتنبعث عزيمتها عندما تستبدّ بها الفاجعة من جديد، في إثر تلبّد الأجواء الإقليميّة مرّة أخرى؟
إنّه إذاً سؤال لا مهرب منه، وطرحه ليس ترفاً فكرياً أو منزعاً تشاؤميّاً، بل طرحه واجب أخلاقياً قدر ما هو نافع سياسياً: ما هو مصير حركة حقّقت كل أهدافها وما الداعي لاستمرارها؟

ستباشر الحركة الإستقلالية الإجابة عن هذا السؤال حالما تطرحه على نفسها، أركاناً وقيادات وكوادر وسيطة وقواعد، فالحركة التي تحقّق أهدافها ينبغي أن تطرح أهدافاً جديدة ليس فقط كي تستمرّ كحركة بل كي تحافظ على المحقّق من مكتسبات.
وعندما يطرح هذا السؤال على الذات الإستقلالية سيكون أوّل عنصر لازم للإجابة هو التذكير بأن المخاض السيادويّ انتظر سنوات طويلة لكي يطرح ما يريده، بشكل واضح وحاسم، مع "انتفاضة الإستقلال"، وكي يحقّق بذلك إجماعاً وطنياً، تجسّد في 14 آذار 2005، وكان كافياً لإظهار يوم 8 آذار على حقيقته، كيوم خروج على الإجماع الوطنيّ، ويوم انطلاقة مشروع الإنشقاق على الصعيد الوطنيّ، مثلما ظهر لاحقاً يوم توقيع "تفاهم مار مخايل" في 6 شباط 2006، كيوم تعثّر في انتاج إجماع وطنيّ مضاد.

ويصاغ سؤالنا بذلك كالتالي: ما هو السبيل لإنتاج إجماع ميثاقيّ وطنيّ جديد بعد أن أنجز إجماع 2005 أهدافه؟ وكيف يمكن، انطلاقاً من هذه الحاجة إلى تشكيل إجماع ميثاقيّ وطنيّ جديد، تشخيص أزمة النظام السياسيّ اللبنانيّ وعلاجها؟

المدخل الوحيد للإجابة هو الإقرار بأنّه في البلد الذي يعتبر التعايش الإسلامي المسيحيّ علّة وشرطاً لوجوده، فإن كل أزمة للنظام السياسيّ فيه هي بشكل أو بآخر أزمة الشراكة بين "جناحيه" وأزمة الحلول البديلة والشراكات البديلة في غياب الشراكة الإسلامية المسيحية الأصيلة؟
وفي القرن العشرين كما الحادي والعشرين، عندما تكون حركة الإستقلال اللبنانيّ في أزمة فهذا يعني أنّ الشراكة في أزمة.

ولا مداواة لهذه المشكلة على كافة الصعد إلا بتكريس الثنائية الإسلامية المسيحية التي قام عليها ميثاق 1943، ونال لبنان استقلاله الأوّل على أساسها، وبتثبيت مركزية المناصفة الإسلامية المسيحية التي قال بها إتفاق الطائف، وعلى أساسها كان الخروج من منطق الحرب الأهلية، وبتخليد ذكرى 14 آذار 2005 كأوّل يوم في التاريخ العالمي للبشريّة اجتمع فيه أكثر من مليون ونصف مليون مسيحيّ ومسلم جنباً إلى جنب.

صحيح أن الحركة الإستقلالية انبرت للدفاع عن "المناصفة" وصدّ هجوم حمل عنواناً شبحياً هو "المثالثة"، إلا أنّه ينبغي بذل الشيء الكثير لجعل "المناصفة" هي العنوان الأبرز للشراكة بين مسيحيي ومسلمي هذا البلد. ومع تثبيتها ينبغي العمل على تحويلها قدر الإمكان من مناصفة رمزية وشكلية إلى مناصفة وجودية وفعلية، وبدل رهن المناصفة بأفق "الغاء الطائفية السياسية" ينبغي رهن كل تطوير مقترح على النظام السياسيّ وكلّ تخفيف لحدّة النزاعات الأهلية بصيانة وتجديد عهد المناصفة.

وبتثبيت قاعدة المناصفة يصير من الممكن إعادة ترتيب البيت الدستوريّ اللبنانيّ، بأن تكّرس صفة تحكيمية لرئيس الجمهوريّة إذا ما تعطّل عمل أي مؤسسة دستورية من داخلها، سواء مجلس الوزراء أو مجلس النوّاب، أو إذا ما عطّلت مؤسسة دستورية عمل الأخرى. وكي يكون لرئيس الجمهورية هذه الصفة التحكيمية ينبغي أن يعطى، وبضوابط ميثاقية محدّدة، القدرة على إقالة الحكومة أو حلّ مجلس النوّاب، في حين ينبغي أن تكرّس الصفة التنفيذية لرئيس مجلس الوزراء بلا التباس، ويعاد اكتشاف الصفة التشريعية لرئيس مجلس النواب على أساس مبدأ "كل واحد يشتغل شغلته".
وكل هذا يتطلّب إعادة التوازن إلى العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بحيث يعاد الإعتبار إلى النظام البرلمانيّ، وإلى مبدأ مونتسكيو "السلطة تحدّ من عمل السلطة"، الذي مسخته 8 آذار إلى مبدأ "السلطة تعطّل عمل السلطة".

بهذه الرؤية الميثاقية ـ الدستوريّة ـ الإصلاحية تعطى الفرصة للإجابة عن سؤال: ما مصير حركة حقّقت أهدافها؟ إذا ما أرادت هذه الحركة الإستمرار فعليها أن تحدّد أهدافاً أخرى، انطلاقاً من قضايا أصيلة وليس من بقايا قضايا أنجز القسم الأساسيّ منها أو يكاد.
بل انطلاقاً من هذه الرؤية "المناصفاتية" يمكن للحركة الإستقلالية، وحين تصبح في الوقت نفسه حركة اصلاحية دستوريّة، أن تنتقل من أشكال غير مستقرّة من الصبر والدعاء والإنتظار والإنقباض والإحتراس والإمتعاض والحنق والسخط والرفض والإحتجاج على استمرار وجود سلاح خارج عن سلطة الدولة اللبنانية، إلى صياغة واضحة وحاسمة، وبإجماع الحركة الإستقلالية، لهدف تاريخيّ محدّد يتعلّق بموضوعة "السلاح".

فحتى الآن ما زال "الظرف السياسي"، وما يلحق به من توتّرات التعبئة، هو الذي يفرض على أركان الحركة الإستقلالية قولاً أو عملاً بإزاء ظاهرة السلاح الخارج عن سلطة الدولة، إلا أنّ الحركة الإستقلالية ككل لم تصغ بعد ما تطالب به على هذا الصعيد بشكل واضح وحاسم، وما زال الإجماع الوطنيّ الثاني بعد 14 آذار 2005 ينتظر، لكنّه إجماع ضروريّ لإستكمال مشروع "ثورة الأرز": أن يكون للبنانيين وطنٌ مثلما للآخرين، وأن يكون للخصوصيات اللبنانية شكل من الديموقراطية يصونها، وأن يكون لهذه الديموقراطية اللبنانية نمط من الإستقرار تحافظ عليه في إقليم غير مستقرّ وعالق في "البين بين" أو في "الممانعة".

لم يخطئ الذين قالوا إن الإنتخابات المقبلة مصيريّة. بل هي مصيريّة أكثر من أيّ وقت مضى، لأنّ نظامنا البرلمانيّ مهدّد، ونموذجنا اللبنانيّ للتعايش والتسامح مهدّد، ونظامنا الإقتصاديّ مهدّد. الفكرة اللبنانية بحدّ ذاتها مهدّدة. الأخلاق السياسية والأخلاق بعامة صارت مهدّدة.
لكن الحكم بمصيرية الإنتخابات تتوجّب عليه أعباء إضافية: أي ضرورة التعاطي بمصيرية مع هذه المصيريّة. ضرورة تحديد عناوين مصيرية جديدة للتلاقي الإستقلالي. ضرورة التطلّع إلى بناء "كتلة تاريخية" تشمل الآذاريين كما الوسطيين، كتلة تباشر في انتاج حلّ للأزمة اللبنانية بمجرّد تشخيصها لهذه الأزمة كأزمة نظام ومجتمع وقيّم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل