الاغتيال ودمج "الساحات"
الجريمة والاتهام الجاهز
هي اسرائيل. لا جدال في الأمر. وحدها المسؤولة عن اغتيال نائب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان اللواء كمال مدحت في مخيم المية والمية وبعبوة ناسفة لا تختلف عن العبوات التي حصدت ارواح شهداء "ثورة الارز" خدمة لمشروع القضاء على "14 آذار" وما كان يمكن ان تمثله.
هي اسرائيل. ومن يجرؤ على غير هذا الطرح يصبح هو الآخر اسرائيلياً أكثر من موشي دايان وغولدا مائير وديفيد بن غوريون ومن لفّ لفهم. لذا لا لزوم للتحقيق في الجريمة او البحث عن الأدلة ما دامت النتائج، وكذلك التصريحات المستنكرة، جاهزة لدى البعض حتى قبل الإنفجار. لا لزوم لغير هذه القراءة. اللهم الا اذا اردنا ان نستعين بالمتابعة الداخلية والخارجية وفق المعلومات "الأكيدة" التي لم يحصل عليها الا التلفزيون البرتقالي "OTV"، والتي اوردها "بكل براءة وحيادية"، وجاء فيها أن "المسؤول الأمني الأول في سلطة أبو مازن، محمد دحلان، وصل الى بيروت، قبل يومين من عملية الاغتيال، بجواز سفر مصري، ما أدى الى تأجيل الحوار الفلسطيني – الفلسطيني، الذي كان مقرراً هذا الأسبوع، الى الأسبوع المقبل".
لبننة الاغتيال
جريمة الاغتيال بدت لوهلة وكأنها مستنسخة من مرآة لبنانية. كالعادة لا قيمة لموقف منظمة التحرير الفلسطينية، التي لم تسارع إلى اتهام "العدو الصهيوني الغاشم" بالضلوع في الاغتيال، بل شددت على أن الجريمة لن تجرّ المخيمات إلى الدم. ولا اهتمام بالحيثيات الشخصية للضحية. كذلك لا اهتمام بكون مدحت أحد أبرز القيمين على إدارة ملف فلسطينيي الشتات وأحد أبرز الساعين الى استعادة "إستقلالية القرار الوطني"، وحمايته من القوى الاقليمية التي لا يستهان بها كلاعب اساسي في الحياة السياسية الدولية.
واذا توقفنا عند الايديولوجيات التي لا تفرق بين سلطة ابو مازن والمعسكر الاستكباري الصهيوني، نستنتج ان لا غضاضة في العودة الى الاتهام المحوري الموجه الى اسرائيل، على رغم التناقض الحاد بين المواقف المدينة للمنظمة ومسؤوليها والمرثيات والاستنكارات الصادرة عن معتنقي هذه الايديولوجيات والتي أغرقت وسائل الاعلام بعد وقوع جريمة الاغتيال. ونستنتج أيضا ان الشائعات التي ستتبع جريمة اغتيال كمال مدحت لن تكون مختلفة عن الشائعات التي لحقت كل من تمت تصفيته على طريق من طرق الوطن الذي يجب ان يبقى مقبرة مفتوحة اذا لم يعلن استسلامه.
اللامركزية الطارئة
الا ان المخيف في هذا الاغتيال هو وحدة المسار والمصير بين الشعبين اللبناني والفلسطيني. فالسيناريوهات أضحت أكثر إندماجاً. و"الساحات" بدأت تختلط. ومع تسارع الحوادث والمتغيرات الدولية والإقليمية، يبدو ان التوجه لفرض معطيات جديدة لم يعد يحتاج الى فصل مركزي. هذه اللامركزية الطارئة الرامية الى استكمال عملية القبض على الأوراق وخلطها، تمهّد لإنفجارات تطيح كل ما يزعج او يعرقل المخططات التي يجب ان تمّكن القوى الإقليمية التي يجب ان لا يستهان بها كلاعب اساسي دولياً. فالمطلوب من الملف الفلسطيني لا يختلف كثيراً عن المطلوب من الملف اللبناني. واستعراض العناوين يكفي لنعرف ان هناك من يريد اعتقال الشعبين ليفاوض بهما في البازار الذي أعلن الرئيس الاميركي باراك أوباما افتتاحه لإعادة النظر في تسويات المنطقة. وتالياً ليس على الشعبين اللبناني والفلسطيني الا التزام المقاومة حتى تتوضح الصورة. وتعرف القوى الإقليمية أي خندق ستردم وماذا تبيع او تشتري بغية تحقيق أهدافها وتحصين مكانتها.
الخصوصية اللبنانية
إداء القوى الاقليمية التي يجب ان لا يستهان بها، يؤكد ذلك مع بعض التمايزات التي تفرضها الخصوصية اللبنانية مع استمرار المواجهة بين مشروع ابقاء لبنان "ورقة" و"ساحة" للنزاعات او المفاوضات الاقليمية مقابل العبور الى الدولة وفق خريطة طريق "14 آذار" القاضية بـ"حماية لبنان من اسرائيل" و"رفض التوطين" و"التزام دعم نضال الشعب الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس" وتبنّي "مبادرة السلام العربية". وهناك دلالات اختيار العملية في محيط مدينة صيدا التي أصبحت دائرة انتخابية مستقلة عن المحادل والبوسطات، والمزاج الشعبي فيها يميل الى "تيار المستقبل" بإمتياز. تالياً، المدينة في طور اعلان العصيان لذا لا بد من قطع الطريق على ما يمكن ان تسفر عنه انتخابات لا تعيين فيها بموجب "مساع وفاقية" بمفاهيم لا تختلف كثيراً عن ديموقراطية "الثلث المعطل".
الاهم في هذه الخصوصية المحكمة الدولية الخاصة التي بدأ سيفها يقترب من أعناق المرتكبين بعد ثلاثة اسابيع من افتتاحها، وامتلاكها "الادوات القانونية اللازمة لمعالجة الملفات الاولى المتعلقة بقضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتي يتوقع من السلطات اللبنانية نقلها في الاسابيع القليلة المقبلة على نحو عاجل وفاعل". هذا اذا تم الاتفاق على وثيقة التعاون المحتجزة في إنتظار ملاحظات "حزب الله".
إعادة التموضع
ربما انطلاقا من هذه الخصوصية وتفاصيلها يجب ان نقرأ عملية الاغتيال الفلسطينية لبنانياً لنتمكن من استيعاب عملية إعادة التموضع. فالمخيمات سبق وتم تجهيزها في عهد الوصاية السورية لتصبح جزرا امنية حاضرة للإنفجار لتلبي الطلب عند الحاجة. ولعل موعد الطلب قد حان اليوم أكثر من أي وقت مضى، وتحديدا بعد فترة التدريب الطويلة والمتواصلة والجهود المكثفة لقطع الطريق على كل تواصل لبناني – فلسطيني يؤدي الى تصحيح العلاقات المتأزمة الموروثة.
واليوم، المطلوب ان تصبح المخيمات الفلسطينية في لبنان على صورة غزة وليس الضفة. كما ان مفاعيل العدوان الاسرائيلي الاخير يجب ان تنهج درب مفاعيل عدوان تموز على لبنان. وكما تم غزو العاصمة واحتلالها، ربما نشهد تفجيرا امنيا كبيرا في المخيمات على نية ترويضها واخضاعها الى لغة السلاح المقاوم المؤمن.
"كما حنا كما حنين"، فالظاهر ان لا تهاون حيال اي خطوة يمكن ان تؤسس لمشروع العبور الى الدولة، لا في لبنان ولا في فلسطين. والنموذج الذي قدمته طريق مكشوفة في مخيم المية والمية مرشح للتكرار في أكثر من مكان.