#adsense

قراءة مقارنة لـ “تنظيم الخلافات” العربية ..وتنظيمها بين اللبنانيين!

حجم الخط

قراءة مقارنة لـ "تنظيم الخلافات" العربية ..وتنظيمها بين اللبنانيين!

اذا كانت القمة العربية في الدوحة قد توقفت عند محطة "تنظيم الخلافات"، فلم تتجاوزها الى محاولة إنهائها مثلا ـ حتى لو فشلت هذه المحاولة ـ أو تأجيلها، فلن يكون غريبا اذا أن تقف الخلافات اللبنانية عند محطة مشابهة: التنظيم، بانتظار نتائج الانتخابات النيابية في السابع من حزيران المقبل. وهذا ما تقوله حاليا قوى 14 آذار بأعلى صوتها، بالرغم من كل الأصوات التي تنطلق من هنا وهناك داعية الى "تنظيم" الحياة السياسية لمرحلة ما بعد الانتخابات منذ الآن.

ذلك أن الخلافات العربية، وهي بالغة الخطورة كما يعترف الجميع، قد تستطيع أن تنتظر في هذه المرحلة أملا في انقاذ ما يمكن انقاذه في مرحلة أخرى. وهي، كما بات واضحا، ترتبط بمسائل اقليمية ودولية لن يكون ممكنا سبر غورها قبل جلاء صورة المقاربات الخارجية، وفي مقدمها الأميركية، لقضايا المنطقة .. من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، الى ما وصفه وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بـ"التحدي" الايراني الجديد. واذا، فمن باب أولى أن يستطيع اللبنانيون بدورهم أن ينتظروا، لأن خلافاتهم ـ أيا كانت درجة خطورتها ـ ليست مما يفوق قدراتهم، وحتى ارتباطات بعضهم بالخارج، على الانتظار.

أكثر من ذلك، فما يميز اللبنانيين عن اخوانهم العرب هذا النظام البرلماني الديموقراطي (على علاته) الذي ما زالوا يتمسكون به، والذي يكفل دستوريا حل أو "تسوية" خلافاتهم من خلال العملية الانتخابية التي يستعدون لها بعد فترة قصيرة. وبهذا، فانتظارهم نتائج الانتخابات التي ستجري في السابع من حزيران المقبل، ومعرفة التوجهات الحقيقية للشعب اللبناني، هو انتظار مبرر بامتياز .. على النقيض مما هو الحال بالنسبة الى انتظار العديد من الحكام العرب!.

ما تحاول هذه المقدمة أن تقوله، هو أن ما يهم اللبنانيين في هذه المرحلة ليس أكثر من توفير الظروف والمناخات الطبيعية لاجراء انتخابات نيابية تمثيلية بالقدر الكافي (بالرغم من قانون الـ60 الذي أقره الجميع، ثم تبرأوا منه!) تنتج عنها حكومة تعبر بدورها عن هذا التمثيل لتعمل في المرحلة المقبلة على اعادة بناء البلد، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بما يتوافق مع ارادة أكثرية اللبنانيين.
هل يحدث ذلك؟!.

غني عن القول أن ما يصح في أثناء الحملة الانتخابية، في لبنان كما في سائر بلدان العالم، قد يخرج عن حدود المألوف في الحياة السياسية في الظروف الطبيعية. وأنه، لذلك، سيكون على اللبنانيين عموما والقوى السياسية خصوصا، أن يسمعوا كلاما (أو سبابا وشتما) لم يتعودوا سماعه من قبل. لكن ما لا يصح، ولا يجوز أن يصح في أي حال، هو أن تنحدر الأمور الى ما شهده اللبنانيون في الأسبوعين الماضيين من أعمال تخريبية على الأمن في البلد، وأن يعمل البعض على اللعب في ما لا يجوز اللعب به من أجل تحقيق "انتصار" انتخابي، أو حتى منع اجراء الانتخابات أساسا، أيا كان الحال.

لا يختلف عن ذلك في شيء، اصرار البعض على وصف الانتخابات بأنها "روتين دستوري" يمارس فيه اللبنانيون حقهم في الاقتراع وارسال من يمثلهم الى مجلس النواب، ولكن من دون أن يؤدي ذلك الى تغيير في طبيعة السلطة التي تنبثق عن المجلس الجديد. وليس الحديث منذ الآن عن "المشاركة" و "المشاركة الحقيقية" و "الثلث المعطل" في الحكومة العتيدة الا من صنف الالغاء العملي لمعنى الانتخابات وروحيتها… فضلا عن النظام البرلماني الديموقراطي، بما فيه "الديموقراطية التوافقية" التي كان اللبنانيون يمارسونها، وان شكليا على الأقل، حتى قبل اتفاق الطائف والدستور الجديد للبلاد.

ولا يختلف عنه أيضا، سعي البعض الى إقامة رابط بين تخفيض سن الاقتراع الى الثامنة عشرة واعطاء المغتربين اللبنانيين حق استعادة الجنسية، ولا نعيهم لواقع قدرة العاملين في الخارج على المشاركة في الاقتراع عندما يكونون في بلدهم يوم اجراء الانتخابات وعدم قدرة الدولة، في هذه الدورة الانتخابية تحديدا، على توفير الاجراءات اللوجستية لتأمين ممارستهم هذا الحق في سفارات البلدان التي يعملون فيها. وما يقال علنا عن تحضير "ما يلزم" منذ الآن للطعن في الانتخابات على مثل هذه الخلفيات، ليس الا محاولة استباقية لنتائج هذه الانتخابات لا تختلف بدورها عما سبق من مساع الغائية لمعنى العملية الديموقراطية في البلاد وروحها.

ليس من شك، خصوصا في العالم العربي الذي لم يجد أخيرا الا "تنظيم الخلافات" في ما بين حكامه انتظارا لما قد يأتي (أو لا يأتي !) أن ما يميز اللبنانيين عن غيرهم على امتداد هذا العالم هو نظامهم هذا الذي يوفر عليهم اللجوء الى مثل هذا الأسلوب، بل ويوفر لهم "تداول السلطة" بشكل سلمي يقرره الشعب بملء ارادته … في الوقت الذي يعمل فيه اللبنانيون، أو بعضهم على الأقل، بكل أسلوب وبكل ما لديهم من طاقات لشطب هذه الميزة، أو افراغها من مضمونها.

ومن تسنح له فرصة زيارة أي من العواصم العربية في هذه الفترة، أو يطلع على ما تنشره صحفها وتبثه أجهزة اعلامها عن حملة "السباب والشتائم" اللبنانية من جهة وحملة "التشويه المسبق" لنتائج الانتخابات من جهة ثانية، يكتشف فداحة الجريمة التي يرتكبها اللبنانيون بحق بلدهم ونظامهم (على علاته، مرة أخرى) تحت شعار الدفاع، اما عن "المشاركة" في الحكم أو عن "الهوية الوطنية" للبلد أو عن حقوق الطوائف والمذاهب والمناطق فيه.

يقول العرب للبنانيين دائما، وفي كل مناسبة، أن "حافظوا على النظام البرلماني الديموقراطي برموش العيون" لأنه، ومهما كانت الثغرات والعيوب فيه، يبقى درة نادرة على امتداد المنطقة كلها.
وللأسف، فما يفعله اللبنانيون ببلدهم ونظام الحكم فيه لا يخاطب العرب الا بعبارات أقرب الى القول: لا … كلنا اخوان !!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل