السابع من حزيران، ثوابت الاستقلال هي التحدي الأكبر
لست أعلم على وجه التحديد، الدافع الذي استدعى مني، العودة الى ذلك اليوم من العام 1989، الذي إنهار فيه جدار برلين، تحت وطأة معاول الشباب الذي كان قد استجاب في ذلك اليوم، الى نداء الحرية، متخففاً من قيد الخوف وأسره، ولست أدري حقاً، ما الذي أدخل الى ذهني ضرورة استعادة ذلك المشهد الذي بدا فيه غريغور غيزي، آخر أمين عام للحزب الشيوعي الألماني الشرقي، الذي خلف أريك هونيكر، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي المتشدد، كاستجابة لضغط جماهير الشعب الألماني، المطالب بالحرية والوحدة، مربكاً ومتلعثماً، وهو يحاول ـ دون جدوى ـ وقف وتأخير ساعة اللقاء التي انتظرها الملايين من الألمان، الذين ارغموا على الانقسام والتشتت طيلة خمسة وأربعين عاماً.
ربما كان الدافع الى عودة هذه الذكريات، وتزاحمها في الفكر والمخيلة، الاستماتة اليومية التي يبذلها منظرو الثامن من آذار، والتي يحاولون من خلالها دون طائل، نفي الصفة المصيرية عن الانتخابات النيابية التي ينتظرها اللبنانيون بفارغ الصبر، لكي يعبروا عن قناعاتهم وعن حقيقة موقفهم من قضية الحرية والسيادة والاستقلال، في السابع من حزيران القادم.
يمكن القول اليوم ودون مبالغة، إن الظروف التي تحيط بأحزاب الثامن من آذار، هي ظروف تشبه الى حد بعيد، الظروف التي وجدت نفسها فيها الأحزاب الشيوعية في اوروبا الشرقية وبعض العالم العربي، بُعيد السقوط المدوي للاتحاد السوفياتي في أواخر ثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي، احزاب هرمة وفاسدة فقدت الصلة مع الواقع، أفلست شعاراتها وفقدت مبررات وجودها، سعت (وما زال بعضها يسعى) الى تغيير اسمائها والى محاولة تجديد منطلقاتها التي لم تعد تأتلف (ما كانت) مع واقع تغير وانفتحت آفاقه.
لقد فقدت أحزاب الثامن من آذار التي لم تستطع (ولن تستطيع) ان تقدم برنامجاً مقنعاً لتخوض الانتخابات على أساسه، مبرر وجودها و"شرعية" بقائها، فتراها وبتأثير من هذا الواقع، تسعى جاهدة لنفي صفة المصيرية عن انتخابات السابع من حزيران، متوسلة في ذلك، الاجتهاد والتأويل، الذي ينسف مواد الدستور وروحه، والذي يعطل آليات المسار الديموقراطي وأصول التداول الطبيعي للسلطة، القائم في الأنظمة البرلمانية، على أغلبية منتخبة تحكم وأقلية مؤثرة تعارض وتحاسب. ولن ينفع التهويل الذي يحمل "هم الشراكة والعيش المشترك"، الذي تمارسه حلقة الثامن من آذار، ومهما حاولت، في ان يحمل الأكثرية التي ستنبثق عن الانتخابات، على التنازل عن الحق الدستوري والشرعي، الذي يتيح لها أن تترجم فوزها وثقة الأكثرية الشعبية المعطاة لها، في ممارسة السلطة كاملة، دون تعطيل بدعة الثلث المعطل التي لا نجد لها أي سندٍ دستوري أو قانوني.
في مصيرية الانتخابات
ليس صحيحاً بالمطلق ما تحاول ان تشيعه اليوم، حلقة الثامن من آذار، فالانتخابات المنتظرة في السابع من حزيران القادم هي انتخابات أكثر من مصيرية، فعلى نتائج هذه الانتخابات، يتحدد مصير لبنان ويتقرر مستقبل أجياله، ففوز حركة الرابع عشر من آذار، هو الذي سيتكفل بالمحافظة على عروبة لبنان، وهو الذي سيعيد الاعتبار لمفهوم العروبة الكلاسيكية التي عُمل على تشويهها وعلى تزويرها على مدى أكثر من نصف قرن، ان هذا الفوز المنتظر هو الذي سيضمن الابقاء على المناصفة ما بين المسلمين والمسيحيين التي أقرت في الطائف، احتراماً للميثاق الوطني، وللصيغة اللبنانية التي تترجم معاني التعددية والحرية والديموقراطية، التي تتناقض مع إرادة تأبيد وضعية لبنان، الساحة المفتوحة على مسالك ودروب الخلافات والصراعات والمساومات، الدولية والاقليمية، التي ستؤدي لا محالة في حال خسارة الحركة الاستقلالية لجولة السابع من حزيران الى تسجيل لبنان في لائحة الدول المارقة والمنبوذة.
اليوم التالي للسابع من حزيران
يشي مسار الأمور على الرغم من محاولات التخريب والتوتير والترويع، التي تلقي بظلها على الواقع اليومي ان قوى الاستقلال ممثلة بحركة الرابع عشر من آذار، سوف تفوز حتماً في الانتخابات النيابية، وسوف تعيد استناداً الى هذا المعطى، التأكيد على شرعيتها التي حازتها بنتيجة انتخابات العام 2005 حيث ووجهت آنذاك بالرفض والتعطيل والتشويه، وليس من المستبعد ان تلجأ حلقة الثامن من آذار في اليوم الذي سيلي الكشف عن النتائج المحققة، الى الرفض والتعطيل مجدداً، متذرعة "بوجوب" التوافق والمشاركة وبعدم جواز الانفراد بالحكم، وبضرورة تشكيل حكومة وفاق وطني، تشتمل على الثلث المعطل الذي يتنافى مع مواد الدستور وروحيته.
ان هذا الواقع (المتوقع) سوف ينتج مفاعيل محددة، ستتجلى برفض حلقة الثامن من آذار للسلطة التي ستنبثق عن الانتخابات، وببقائها خارج اطار الشرعية. ان هذا "الواقع" المولد للبؤس والكابح لمسيرة المسار الديموقراطي، سيؤدي ولا شك الى تعرية "منطق" الثلث المعطل والى تهافت نظرية (بدعة) حكومات الوفاق الوطني، وسوف يؤدي ايضاً الى كشف الطرف الذي يسعى الى عودة مرحلة الحروب الأهلية.
ان "بؤس الواقع" لن يغير في حقيقة الوقائع الوطنية والقانونية التي سوف تسجلها نتيجة "الاستفتاء" عبر الانتخاب، وبالتالي فإن التخوف من لجوء الطرف الخاسر الى محاولة انقلاب، لا يجد له محلاً ولا مبرراً في هذا الظرف بالذات، حيث الاستحالة المادية والضوابط الشرعية والقانونية فضلاً عن الموانع الدولية والعربية؛ تشكل رادعاً مانعاً يحول دون مجرد التفكير في خطوة خطيرة كهذه.
خطوات واجبة
ان فوز قوى الاستقلال المؤكد، يوجب على هذه القوى ان تخوض الانتخابات على اساس برنامج 14 آذار المعلن، ان الفوز بهذا التحدي يفرض على حركة الرابع عشر من آذار، العبور الى ثوابت الاستقلال، موحدة مؤتلفة ومتراصة، فروح حركة الرابع عشر من آذار اهم من أحزابها، والانتخابات ليست مناسبة لتظهير الأحجام داخل 14 آذار، بل هي مناسبة لتظهير قوة 14 آذار الموحدة، في مواجهة خيار الثامن من آذار. إن هدف الفوز يفرض على حركة الرابع عشر من آذار عدم الرضوخ للابتزاز، ويفرض ايضاً عدم تجيير فائض القوة الذي تحوزه قوى الاستقلال الى من لا يؤمن فعلاً بمبادئ وثوابت الرابع عشر من آذار. إن التقيد والأخذ بهذه الخطوات الواجبة والاحترام الكامل لهذه المبادئ ـ المسلمات، هو ما سيؤمن العبور السلسل والآمن الى الدولة السيدة الحرة المستقلة.