حزب القوات اللبنانية لم يأخذ حقه كاملاً بعد
كل احتفال يقيمه حزب القوات اللبنانية، وكل مناسبة يشارك فيها جماهيرياً أو على صعيد القيادة، وكل تدخّل له، على مستوى القرارات الوطنية المصيرية، او على مستوى علاقة المسيحيين بكنيستهم، او بشركائهم في الوطن، تعطي الحزب قيمة اضافية جديدة، وتفتح له ابواباً ونوافذ مرحّبة عند شرائح واسعة من المجتمع اللبناني، كانت مقفلة في وجهه على قاعدة ان «الانسان عدو ما يجهل»، والاحتفال الأخير الذي اقامه الحزب يوم السبت في البيال لمناسبة مرور خمس عشرة سنة على حلّه، بعدما ضاقت السلطة الحاكمة يومها بمواقف القوات الرافضة تغيير هوية لبنان، أكد مرة اخرى مدى تجذّر هذا الحزب في وجدان المسيحيين اولاً، وفي اقتناع الاصدقاء والخصوم ان القوات اللبنانية، حالة اساسية في حياة لبنان السياسية والاجتماعية لا يمكن لأي فريق ان يلغيها او يتخطّاها او يهمّشها او يستوعبها الا اذا كانت الغاية مصلحة لبنان وحريته وسيادته واستقلاله ونظامه الديموقراطي البرلماني.
وقبل الدخول في تسليط الضوء على بعض محطات هذا الاحتفال المميز في حشده وتنظيمه واخراجه ومضمونه، لا بد من الاشارة الى حديث مقتضب دار على هامش الاحتفال بين بعض الزملاء الاعلاميين، لا علاقة لهم بالقوات اللبنانية، وربما كانت لهم مواقف سابقة لا تتفق مع نهج القوات وسياسته وعقيدته، وقد انتهى الحديث بتوافق الجميع على ان حزب القوات اللبنانية، وخصوصاً تحت قيادة الدكتور سمير جعجع، يعتبر حالة تغييرية ملفتة ضمن المجتمع المسيحي الضيّق، امتداداً الى المجتمع اللبناني الأوسع، لم تأخذ حقها كاملاً بعد، لا من القراءة الواعية، ولا من الدعم اللازم، على الرغم من ثبات هذه الحالة ووضوحها وشفافيتها وصدق وطنيتها وتضحياتها الكبيرة على مساحة الوطن كله، وان النظر بايجابية الى هذه الحالة، والتعامل معها على هذا الاساس، ضروريان للعبور الى دولة المستقبل الواحدة الموحدة القوية.
**** هناك الكثير في احتفال القوات الجامع، ما يمكن الكلام عنه، الا ان الابرز الذي حرص على تقديمه، معدّو برنامج الاحتفال هو كشف وحشية جهاز المخابرات في عهد الرئيس اميل لحود، وقد نجحوا في ذلك بامتياز، ليس لأنهم اخترعوا وفبركوا احداثاً مركبة وغير صحيحة، بل لانهم نقلوا بالملموس والمحسوس وبالشهادات الحيّة لضحايا جلاّدي المخابرات، وفي مقدمهم شهادة النائب المحامي ايلي كيروز، وشهادة الطفلة يومها، المناضلة اليوم انطوانيت شاهين، فاعطيا صورة للناس عن الجحيم الذي اعدّه جلاوزة المخابرات في عهدي الياس الهراوي واميل لحود، وعن ذبح كرامة الانسان وحقوقه في اقبية المخابرات وزنزانتها على مرأى ومسمع وتطنيش، واحياناً مباركة مسؤولين وضباط وقضاة ما زالوا، ربما، حتى اليوم يمارسون عملهم رغم جرائمهم السابقة.
الامر الثاني اللافت في الاحتفال، هو شعورك بطغيان الالتزام والانتظام والعصب المشدود الى الحزب والكنيسة والوطن، عند كل القواتيين، اضافة الى حسن الاستقبال والاحترام في التعامل، والدقة في التنفيذ، وهذا الواقع يدل على المستوى المتقدم الذي وصل اليه الحزب بعد سنوات قليلة من انتصاره على القتل والخطف والتعذيب والسجن والعمل السري، وفي اعتقادي ان الدكتور سمير جعجع عندما يفاخر بالقول ان القواتيين خصوصاً والموارنة عموما هم ابناء يوحنا مارون، كان يعني انهم ابناء الحرية والاستقلال والسيادة والعنفوان والقيم التي اطلقها هذا البطريرك القديس.
يبقى في النهاية واجب الكلام عن خطاب الدكتور جعجع الذي اراده مختصراً مع كثافة في المضمون الذي اهمّ ما فيه دعوته الملحّة الى ثورة ارز ـ 2 تكمل ما لم ينفذ من ثورة الارز الأم، واذا لزم الامر القيام بثورة ارز ـ 3 و4 وحتى اكثر اذا كان اللبنانيون عموماً وجمهور 14 آذار خصوصاً يريدون لاحلامهم وطموحاتهم واهدافهم ان تتحقق في قيام وطن ودولة وحكم تأخذ الناس الى مستقبل افضل واكثر امناً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً وانمائياً، وكان البارز في خطاب جعجع التعهّد، ليس بتنفيذ البنود الاربعة عشر لثورة الارزـ 2، المرتبط تنفيذها بظروف الوطن المتحركة، بل بالعمل والسهر والتعب والمتابعة وببذل كل شيء، حتى الدم، من اجل تحقيق هذه الاهداف، والتي يأتي من ضمنها وفي طليعتها تنفيذ بند اللاادارية الموسعة، التي تخفف الضغوطات على الحكم المركزي، وتمنع الهدر والسرقات وتحقق الانماء المتوازن.
في الختام، كان نداء الدكتور جعجع الى اللبنانيين، وخصوصاً المسيحيين منهم، اشبه برجاء القائد الخائف على المستقبل والمصير، حيث دعاهم الى التفكير الصحيح، والاختيار الصحيح، في الانتخابات النيابية المقبلة، والاقبال بكثافة لانتخاب من يمثّل حقاً، ويحمل بصدق شعارات ثورة الارز واهدافها ومن تمسّك بالثوابت الوطنية وبثوابت الكنيسة، ومن يستطيع ان يكون عنصر تقارب وتعاون وتفاهم بين مختلف الافرقاء والطوائف والمذاهب.
احتفال القواتيين هذه السنة بالذكرى 15 لحلّ حزبهم، محطة ايجابية تضاف الى سجلهم ورصيدهم، كعامل قوة واستقرار وانفتاح على كل اللبنانيين الراغبين بأن تكون الدولة هي مظلّتهم الوحيدة، اليوم، وابداً.
فؤاد أبو زيد