انتخابات تحت ظلال السلاح
يمكن ان يكون مشروع المقاومة بما هو بنية امنية وعسكرية، مشروعا يحظى بتأييد بيئة اجتماعية واسعة، ويحق للقائمين على هذا المشروع ان يجعلوه عنوانا لحملتهم الانتخابية، ورغم الانتقادات التي تطاله باعتباره مسكونا بالتباسات الصراعات الداخلية السياسية والطائفية والاقتصادية، الى التباس العلاقة بالخارج، فانه حقق حضورا فاعلا ساهم فيه، قوة المقاومة وانجازاتها العسكرية من جهة، وتصدع بنيان الدولة وتراجع تأثيرها في الحياة الوطنية من جهة ثانية.
واذا كان الدفاع عن لبنان ومقاومة العدوان الاسرائيلي مسألة لا يناقش اي لبناني فيها من حيث المبدأ، فان السجال مع حزب الله اليوم لا يتصل، بقضية حق المقاومة والدفاع عن لبنان، بل كيف يمكن الفصل بين تأمين شرط الدفاع عن لبنان من دون ان يلتبس هذا الحق بمصادرة حقوق الآخرين، سواﺀ الحقوق السياسية او الثقافية او سوى ذلك من الحريات التي يتيحها القانون ويتطلب نيلها وحمايتها قيام مرجعية الدولة على كامل الاراضي اللبنانية. اذ لا يمكن ان نتوقع وجود السلاح في ايدي البعض من اللبنانيين مع امكانية استخدامه في الداخل، ونتوقع في المقابل ان هناك مساواة بين المواطنين امام القانون، خصوصا ان سيف التخوين مسلط على كل من يختلف مع سلطة المقاومة في الداخل وهي سلطة ممتدة في اكثر من موقع داخلي، جاهزة لتأمين شروط الحماية الاستنسابية للمفسدين في الدولة.
كما ان الملفت في الحملة الانتخابية التي يطلقها حزب الله اليوم هو عنوانها: "قاوم بصوتك" والمذيلة بقول الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله "نخوض الانتخابات النيابية لحماية الخيارات الوطنية الكبرى".
فمن للخيارات الوطنية الصغرى؟ ومن الذي يحدد الخيارات الكبرى او الصغرى في لبنان، ومتى اوان قيام الدولة وبنائها، ومتى يمكن ان نفصل بين المقاومة كفعل عسكري وامني، وفتح الحوار حول قضايا ترتبط بحياة المواطنين بحرية، سواﺀ على مستوى انجاز البعد الحقيقي المغيب عن مشروع المقاومة، الا وهو السلام والبناﺀ الداخليين، او في ما يتعلق باعادة الحياة الطبيعية الى المناطق المحررة التي لم يؤسس تحريرها حتى الآن لمرحلة جديدة تثبت الحياة الطبيعية فيها، ولم يحقق فرصة جعلها مناطق انمائية جاذبة لابنائها، لقد بقيت هذه المناطق خصوصا الحدودية منها مناطق تشكو من غياب اي سياسة انمائية حقيقية، وضمور الحياة الثقافية والاقتصادية، سوى ما يرتبط بتأمين شروط عسكرة المجتمع، للقبض على ما تبقى من مفاصل الحياة فيها.
لقد شكلت القضايا الانمائية ببعدها الوطني، اي بما يؤمن قيام الدولة القادرة والعادلة مرتبة دنيا في الممارسة، ولم يلق عنوان الاصلاح السياسي والاداري او السعي لتثبيت رؤية انمائة جدية، اي اهتمام يذكر، لقد تحولت المشاريع القليلة التي ادرجت تحت عنوان الانماﺀ في مناطق الجنوب بالدرجة الاولى والبقاع بالدرجة الثانية الى مشاريع تلبي حسابات بعض السياسيين والمقاولين على حساب الحاجات الحقيقية للمواطن.
من المفارقات التي تكشف زيف مقولة الانماﺀ في قاموس البعض، هو السجال الذي دار حول مجلس الجنوب والاستخدام الطائفي والمذهبي لحماية مصالح بعض السياسيين والمتنفعين، الى جانب "مفسدة التعويضات" فيما قضية شديدة الاهمية للجنوبيين تتمثل بمشروع الليطاني على سبيل المثال لا الحصر، لا يلقى اي اهتمام في ادبيات القوى السياسية خصوصا ان استكمال هذا المشروع يشكل قضية حيوية ويؤمن انتقال الجنوب انمائيا من حال الى حال. لكن مع الأسف فان ما قيل في موازنة مجلس الجنوب المتواضعة، لم يحظ مشروع الليطاني لجر المياه على 800 متر بكلمة واحدة حقيقية تطالب بتنفيذ بقية مراحله، علما ان تمويل تنفيذه تولت تأمينه دولة الكويت والحكومة اللبنانية في العام 2001 بحدود نصف مليار دولار، مع الاشارة ان اجزاﺀ طفيفة نفذت منه حتى الآن في ما يتجاوز 90 في المئة من هذا المشروع. والذي كان من المفترض ان ينجز كاملا في العام 2006.