من 7 أيار إلى 7 حزيران
شكّل انقلاب السابع من ايار 2008 والغزوات التي اعقبته، مفترق طرق في الصراع بين مشروعي الدولة من جهة، والدويلة من جهة اخرى. ففي ذلك اليوم خرج فريق لبناني مسلح ليثبت "فيتو" مسلحا على المسار السياسي اللبناني، وعلى المؤسسات الدستورية على قاعدة ان من لا يملك غالبية شعبية او نيابية يمكنه التعويض بالقوة المسلحة. ومهما قيل في انقضاء تلك المرحلة، ومهما جرت محاولات لدفنها في الخطاب السياسي، ستبقى تلك المحطة ماثلة في الاذهان ما بقي فريق لبناني يمتلك السلاح في الداخل، ويقيم دويلة مسلحة تعشش في رحم الدولة، وتمثّل تهديدا دائما للمواطنين الذين صنعوا ثورة الارز، ويعتبرون ان التهدئة السياسية والاعلامية لا تبرر التغاضي عن الخطر الاكبر على لبنان، وهو خطر مقيم في الداخل قبل ان يكون خارجيا.
لا نقول هذا الكلام تأجيجا لخطاب اعلامي او سياسي على ابواب الانتخابات، ولكن ما نطرحه تحتمه الاسئلة الآتية: ماذا تغير من 7 ايار الى اليوم؟ فهل سحب "حزب الله" سلاحه ومسلحيه من المناطق البعيدة عن الجبهة؟ وهل سحبهم من قلب بيروت؟ وهل صارت بيروت مدينة محررة بالفعل؟ وهل سحب قواعده العسكرية من تخوم الجبل من جزين الى حدود عكار؟ وهل ازال مربعاته الامنية؟ وهل حل اجهزته المخابراتية العاملة في الداخل؟ وهل اوقف التنصت الخاص؟ وهل تراجع ارتباطه بالقرار الخارجي؟
هذه اسئلة مشروعة، خصوصا اننا نشرف على ولوج مرحلة جديدة بعد الانتخابات يمكن فيها "حزب الله" اذا ما ربح الانتخابات مع حلفائه، ان يسرّع في مسار نسف دولة الاستقلال التي قامت على اكتاف ملايين اللبنانيين من جميع الفئات، التقوا وتعاقدوا على صنع الاستقلال الثاني وما زالوا يعتبرون ان الشراكة الوطنية الحقيقية لا تقوم على امتلاك سلاح من خارج الدولة او من خارج التوافق الوطني الجامع. فما من فئة امتلكت سلاحا إلا استخدمته في النهاية ضد الداخل. و"حزب الله" لم يكن استثناء.
ان اعتبار انتخابات السابع من حزيران مجرد حدث عادي، هو خطأ كبير، ولا يصح بالنسبة الى القوى المنضوية تحت مشروع "حزب الله" او المتأثرة بالنفوذ السوري اذ ان "الدويلة" تحتاج الى انتصار انتخابي كبير لتزخيم مشروعها الذي يقوم على مسارين: الاول استكمال بناء الدويلة، والثاني استكمال التحكم في الدولة والشرعية. اما سوريا فتعتبر ان المعركة الانتخابية يجب ان تشكل مناسبة لها لرد اعتبارها لبنانيا بعد "خسارتها" لبنان عام 2005.
من جهة اخرى لا يصح اعتبار الانتخابات حدثا عاديا بالنسبة الى القوى الاستقلالية التي تعرف انها ما لم تحرز انتصارا واضحا فإنها ستواصل التراجع الذي بدأته في السابع من ايار 2008 امام مشروع "الدويلة"، وما تحتاج اليه اليوم هو تعزيز امكان الصمود منعا لسقوط دولة الاستقلال الامر الذي يؤسس حتما لوصاية جديدة مزدوجة يتقاسمها "حزب الله" مع سوريا.
ان موعد السابع من حزيران هو محطة اساسية لا يجوز ان يقلل اهميتها التنافس المحلي والطموحات الشخصية. ففي نهاية المطاف ستتحدد صورة لبنان للمرحلة المقبلة من خلال نتائج انتخابات 2009، وهي الثانية التي تحصل بعد خروج سوريا من لبنان… اقله رسميا!