في فنّ الصفاقة السياسية
على رغم ان التهدئة في المنطقة هدّأت حمى الانتخابات اللبنانية الى حد كبير، وضبطت التوتر السياسي، فان امرين يشدان الانتباه: اولهما تجاذب الكراسي بين قوى كل مجموعة في ما بينها في ما يشبه "حرب الاحجام"، اي 8 آذار و14 آذار. والثاني، حرص اطراف الاولى، تحديدا، على تسعير خطابه الى حد الاسفاف، بهدف شد عصب جمهوره وان يكن الثمن توتير السلم الاهلي.
يتجلى ذلك في مستويين يتكاملان ويتناوبان: وسائل اعلام هؤلاء الاطراف، وقيادتهم السياسية والنيابية. ويجهد الاثنان في اظهار مثالب الحياة السياسية والعامة كصنعة لقوى 14 آذار، من مليارات الدين العام الى عدم تحرير سعر البنزين، بينما تحتكر جماعتهما لنفسها الفضل في كل "انجاز"، من خفض سن الاقتراع الى السعي لتسد الدولة فوارق سلسلة الرتب والرواتب.
وحين يلزم، تغلف 8 آذار مواقفها بأدبيات بكائية تغرف منها وسائل اعلامها، وتفوهات صناجاتها، من نوع ذرف دموع النفاق على "وجع الناس"، ووصف مستقبلهم بأنه "كتب على الفقراء ان يكونوا دائما وقود الخزينة دونا عن اصحاب الاموال والرساميل الكبيرة، على رغم ان الكثير منهم كان السبب في افراغها".
تقفز بهلوانيات 8 آذار عن الوقائع والاسباب، الى النتائج. تتجاهل وتتعامى عن ادوارها في كل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها لبنان. ينسى ارباب تسفيه القيم السياسية انه لولا اقدام الرئيس الشهيد رفيق الحريري على اطلاق النهوض الاعماري والاقتصادي، بقروض وديون وهبات، لكان النواب لا يزالون يقصدون مجلسهم في ساحة النجمة وسط الركام والانقاض.
الأحرى أنهم يتناسون ذلك. كما يتناسون أن جزءاً كبيراً من هذا الدين هو رواتب القطاع العام، وفي طليعته جيشان هما القوى الأمنية والعسكرية من جهة، ومهمتها صون حاضر الوطن، والقوى التعليمية، من جهة أخرى، ومهمتها رعاية مستقبل لبنان، أي أبنائه، في معارج العلم والتقدم. ينسون أن ما لا يقل عن 10 مليارات دولار من الديون انفقت على الكهرباء التي لم تغب حقيبتها عن يد وزرائهم منذ الطائف إلى اليوم.
كذلك يتناسى هؤلاء أن بطولات المقاومة التي يتاجرون بها اليوم في السياسة الضيقة والاقليمية، في آن واحد، لم يكن لها شهداء أموات فحسب بل شهداء أحياء أيضاً هم كل لبناني سدد حصته في المقاومة، إما بفقدان ما يملك، واما بالمساهمة في تعويض الدمار، ونتائج لجم الاقتصاد والنمو الوطني، وهز الاستقرار في كل وجوهه ومعانيه.
يسلط هؤلاء ألسنتهم على مليارات الدين، وينسون ان ما يرونه اليوم من إعادة بناء هو من نتاجها، ويتناسون أن أغلبهم كان شريكاً مضارباً للدولة في كل خطوة انفق فيها سنت او مليم، وأنهم حين حلوا ميليشياتهم لم يتحللوا من عقلية الميليشيا ومنطق حواجز الخوات، واحتكار توزيع براءات الذمة في الوطنية والصواب ومرضاة الناس.
يقصدون الدوحة حاملين علم قانون الستين الانتخابي، الطائفي، ثم ينبرون اليوم لإتهام الآخرين بتعزيز الطائفية، ويتباكون ويدعون التألم من تعميق الانقسام الغريزي، بسبب تقطيع الدوائر الانتخابية الذي فرضوه.
يصادرون دور الدولة في الحرب والسلم: يقررون الاولى، ويحددون درب الثانية. يفتحون معابر على الحدود لتلقي دعم إزالة آثار عدوان تموز، مباشرة، ويطلبون من الحكومة أن توجّه الشكر لمصدره من دون أن يكون من حقها أن تعرف نوع "المكرمة" الإيرانية – السورية وقيمتها.
ينادون بتسليح الجيش، ولا تبادر القوى الإقليمية التي تسلحهم إلى مساواة الجيش بهم في عطاءاتها المجزية لهم، والغاية تبرير نفي دور الجيش في حماية الوطن، والمطالبة بتأييد سلاح "حزب الله"، والتسليم بأن بقاءه ضروري. وحين تنهمر المساعدات على هذا الجيش ينطلق التشكيك في جدواها وفاعليتها.
يتحدثون عن التنصت الذي تريده القوى الأمنية والعسكرية وسيلة من ضمن القانون لردع المؤامرات على الأمن الوطني، ويدفنون وراء النسيان شبكة اتصالاتهم ووسائل تعقبهم لاتصالات كل الناس.
ينتحبون على الإدارة العامة لأن حجمها بات ضعفاً ونصف ضعف ما كانت عليه قبل 1992، وينسون "المزارع" التي فتحوها في مؤسسات الدولة منذ ما قبل هذا التاريخ وإلى اليوم لأزلامهم ومناصريهم، وكيف رفعوا الصوت حين كانت لوزير الاعلام الأسبق محاولة خجولة لخفض عديد المتعاملين مع الوزارة.
يتهمون الأكثرية بإدارة البلاد 16 عاماً منذ 1992 ويتعامون عن شراكتهم فيها، والوصاية السورية عليها، وعلى أدق تفاصيل حركتها وحظوتهم لدى الوصي.
تكاد المساجلة مع أصحاب هذه الآراء تفقد كل مبرر، لأن ما يردد لم يعد فقط مغايراً للمنطق، بل بلغ حد الصفاقة في مغالاته باستغباء ذكاء المواطنين: يتهمون "14 آذار" بالتفرد بالسلطة ويفرضون عليها الثلث المعطل، ويرمونها بالشوفينية والعنصرية وهم أصحاب احتكار الشرف والنظافة. ويرونها مستعلية، وهم الذين يخاطبون جمهورهم بأن عليه ألا يناقش في أسماء مرشحيهم للانتخابات، لأن قيادتهم الرشيدة تعرف أن تختار الأنسب لتنفيذ استراتيجيتها.
أسوأ ما في الحياة السياسية الراهنة أن منطق القوى المعطلة الشعبوي المسفّ يجعلنا نترحم على الطبقة السياسية التي أدارت البلاد تحت صيغة 1943. تلك الطبقة كانت، على الأقل، تعرف معنى العيب وقيمة الكلمة ومسؤوليتها.