انتخابات مصيرية أم ثانوية؟
منتصف ليل اليوم يقفل باب الترشيحات الانتخابية ولا نعرف حتى الساعة على أي رقم سيقفل "السكور"،وفي هذه الحشرة اللبنانية نحن أمام سؤالين لا ثالث لهما:هل انتخابات العام 2009 مصيرية فعلاً بالنسبة لنا كلبنانيين، أما أنها "ثانوية"؟! بالطبع لا يمكن بأي وجه من الوجوه القبول بصفة "ثانوية" التي أطلقها البعض على الانتخابات، فالديموقراطية أمر جذري في الحياة السياسية اللبنانية، وعلى الأقل أثبتت السنوات التي مرّت تحت الوصاية أن كلّ محاولات السيطرة العملية على لبنان كانت عبر الحرص دائماً على السيطرة على الأكثرية في المجلس النيابي، ثم على المجلس ككل من بوابة رئاسته .
عندما فقدت الوصاية سيطرتها المباشرة واضطرت للملمة مشروعها ومغادرة لبنان "صورياً" إلى حد كبير، ثم خسرت الأكثرية أيضاً في انتخابات العام 2005 مع "فرض" قانونها الانتخابي عليها، استطاعت السيطرة عبر رئاسة المجلس النيابي على الحياة البرلمانية وعطلتها وعطلت انتخابات الرئاسة في البلد لأنها فقدت القدرة على فرض مرشحها للرئاسة، وعندما باتت عودة البرلمان إلى الحياة أمراً لا مفرّ منه، تمت الاستعاضة عن التعطيل البرلماني بالثلث المعطل لشل الحكومة متى استدعت الحاجة ذلك، كل هذه تؤكد أن الانتخابات ليست "ثانوية" بل جوهرية في هذه المرحلة، ومصيرية لأسباب عدّة قد يكون ابرزها:
اولاً: تعطيل أو عرقلة عمل المحكمة الدولية أولاً، وهي عقدة العقد على ما يبدو ومصيرية بالنسبة إلى كثيرين في الداخل اللبناني والخارج الإقليمي، والتعطيل قد يظن البعض أنه فشل في إمضائه لأنه فقد أكثرية المجلس فعطّله، ولن يجديه الثلث المعطل نفعاً في العرقلة، لعدم السيطرة على القرار التشريعي.
ثانياً: فتح السفارة والتبادل الدبلوماسي مع وقف التنفيذ بين لبنان وسورية، فالسفير على ما تسرب من معلومات لن يقدم أوراق اعتماده إلا مع الحكومة الأولى بعد الانتخابات، وهذا ضمناً يتيح فرصة لكسب الوقت إلى حين صدور القرار الظني الاتهامي عن مدعي عام المحكمة الدولية، ويتيح أيضاً وبحسب الأكثرية التي ستفرزها الانتخابات، تحديد مصير السفارة، فعلى ما يبدو ثمة إصرار سوري على إبقاء المجلس الأعلى السوري ـ اللبناني قائماً، لأن تعليق العمل بالسفارة أسهل بكثير من حل هذا المجلس الذي سيكون من الصعوبة بمكان أن ينشأ من جديد لانتفاء ظروف إنشائه بعيد الطائف وتعليق تطبيقه والدخول في مرحلة الوكالة الدولية لسورية للتصرف بالشأن اللبناني..
ثالثاً: كل ما يطرأ من تحولات وتبدّلات في السياسة الدولية سينعكس وبصورة أبشع بكثير من 15 عاماً سبقت زمن الوصاية على لبنان مقابل مشاركة رمزية بمئة جندي سوري في جيوش عاصفة الصحراء، فإذا كانت أميركا باعت لبنان بهذا الثمن البخس عام 1991 وقبل ذلك باعته مرات ومرات، فعلى اللبنانيين أن يكونوا محصنين للداخل اللبناني حتى لا يكون وطنهم سلعة رخيصة في سوق البيع والشراء العالمي..
رابعاً: الرغبة الجامحة في إبقاء لبنان ساحة، حيناً للضغط على مسار مفاوضات استعادة الجولان، وحيناً آخر للضغط على مسار الملفّ النووي الإيراني، مع ما يتجلّى عبر الحديث عن "الممانعة" و"المقاومة" من لبنان فقط، وعن إعلان موت المبادرة العربية للسلام أو عن عدو لا يريد السلام، ومع هذا نسمع عن استعدادات لاستئناف الحوار معه عبر الوسيط التركي، أو الضغط على الأميركي والأوروبي الذي بدأ يظهر سواءً في أفغانستان أم في باكستان، أوالذي عاد إلى الظهور في بغداد مجدداً، كل هذه يجب أن تدفع اللبنانيين على الأقل إلى اختيار مصير آخر غير الموت المجاني والدمار العبثي من أجل مصالح الآخرين..
الانتخابات مصيرية؟ هذا التوصيف صحيح مئة في المئة، ولكن هل تحتمل المصيرية التي نحن أمامها هذا التوسع في طرح برامج انتخابية؟.
مصيرية انتخابات العام 2009 تنحصر بين خيارين، إما لبنان سيد حر ومستقل ونقطة على سطر هذا الصراع المرير، لمن يريد أن يفرض التاريخ والجغرافيا كمنطق سقيم على لبنان فقط، أو لمن يريد أن ينجز ما تبقى من مشروع دولته "الباطنية" التي تنتظر إعلان "الظهور" مع "رؤيوية" تبريريّة دينية، فإذا ما نجحت تجربة تصدير الثورة الإيرانية في لبنان، عندها ستنجح في كل العالم العربي، لأن لبنان النموذج الأصعب والرائد والمعدي أيضاً في محيطه العربي..
هذه المرّة على كل مواطن لبناني وهو يسقط اختياره في صندوق الاقتراع أن ينتخب وطنه لا نزعاته المذهبية والطائفية، وإلا لن يكون حالنا بأفضل من حال الفلسطينيين الذين "قبّروا" بعضهم البعض وتذابحوا على سلطة وعلى بضعة أمتار من الأرض لم تصبح بعد وطناً، محققين حلماً سعت إليه الوصاية طوال ثلاثين عاماً لفرض نفسها بالقوة كوليّ أمر على "قاصريْن": لبنان، والقضية الفلسطينية!!