أهداف دمشق الكامنة وراء إعطاء عون افضلية تسمية المرشحين المسيحيين جنوباً
تعويض رئيس تكتل الإصلاح والتغيير احتمال خسارته لبعض المقاعد من جرّاء تبدل التحالفات
يجهد النظام السوري بكل قواه، لإعطاء أرجحية لرئيس تكتل الإصلاح والتغيير النائب ميشال عون، للاستئثار بتسمية غالبية المرشحين المسيحيين لتحالف قوى 8 آذار في الدوائر التي يغلب عليها الصوت المسيحي وخصوصاً في الجنوب، ونزعها من المظلة الانتخابية التي تبسطها حركة <أمل> و?<حزب الله> منذ اجراء أول انتخابات نيابية بعد اتفاق الطائف في العام 1992، بالرغم من المعارضة، والتبرم الشديد الذي يبديه الرئيس نبيه بري لمثل هذا التوجه، الذي يعتبره مؤذياً له ويؤدي عملياً إلى تقليص حجم كتلته النيابية بشكل مباشر وانتفاء التنوع الطائفي منها، ويساهم كذلك في انكفاء الناخبين المسيحيين عن زعامته وتبديل توجهاتهم نحو زعامات مسيحية أو شيعية مستقبلاً، بما يؤسّس إلى وضع سياسي ليس لصالحه أو صالح حركته على الإطلاق.
ويسعى النظام السوري من وراء توجهه الجديد، بتقديم أكثرية المرشحين المسيحيين في الجنوب وغيره إلى النائب عون على طبق من <فضة> على حساب حلفائه التقليديين في حركة <أمل> من خلال ممارسة كل انواع الضغوط الممكنة عليها إلى مكافأة رئيس تكتل الإصلاح والتغيير على الخط السياسي الذي اتبعه في التعاطي مع النظام وتجاه سوريا طوال الأعوام الأربعة الماضية، ومنذ عودته إلى بيروت من المنفى الفرنسي الذي أجبره على السفر اليه النظام نفسه بعد عملية عسكرية مشهودة في مطلع التسعينات، وإظهار التقدير له والامتنان، لعدم انضمامه إلى تحالف الأكثرية في إدانة الجرائم الإرهابية المتهم بارتكابها النظام ضد اللبنانيين، أو الانجراف إلى تيار الرافضين للتدخل السوري في الشؤون الداخلية اللبنانية، التي كان النائب عون يبذل قصارى جهده للدفاع عن السياسات السورية الخاطئة والسوداوية والدموية ضد اللبنانيين، ومحاولاته المستميتة لقلب الوقائع وتصويرها عكس ما هي عليه خلافاً لقناعات وتوجهات معظم أبناء الشعب اللبناني.
ولعل الأهم في التوجه الجديد للنظام السوري من جراء إطلاق يد النائب عون لتسمية معظم المرشحين في المقاعد المسيحية المختلف عليها في جزين وغيرها، ليس مرتكزاً على أساس القوة الناخبة المؤيدة للتيار العوني وقدرته الذاتية في تحديد توجهاتها وخياراتها السياسية لمصلحته، بل يأتي في إطار استدراك التبدلات المرتقبة في خريطة التحالفات الانتخابية في المناطق المسيحية التقليدية وخصوصاً في المتن وغيره، بعد انسحاب النائب ميشال المر من تحالفه السابق مع التيار العوني وتوجهه نحو تأليف لائحة منافسة تضم مرشحين من قوى 14 آذار ومستقلين، في ضوء تسجيل ملحوظ لتبدل مزاج نسبة لا بأس بها من ناخبي التيار العوني السابقين نتيجة استيائهم الظاهري من النهج السياسي الذي اتبعه بالتحالف مع النظام السوري و?<حزب الله> طوال السنوات الأربع الماضية، خلافاً لقناعات وتوجهات هؤلاء الناخبين الوطنية والتقليدية، وتحسباً لاحتمال خسارته لعدد من المقاعد النيابية في هذه المناطق التي تشكل مرتكزاً لزعامته المسيحية المارونية، التي يستأثر من خلالها في الاستمرار بالتغطية على التدخل السوري والايراني في الشؤون الداخلية اللبنانية، ومنعاً لانتقال هذه الزعامة إلى شخصيات مارونية سياسية باتت تهدد زعامة عون وخصوصاً رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي استطاع استقطاب تأييد شعبي وسياسي من حوله في فترة قياسية بعد انتخابه رئيساً للجمهورية، على حساب الزعامة العونية المسيحية كما هو ظاهر للعيان.
ولذلك، فإن التباين الظاهري بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري والنائب ميشال عون حول تقاسم المقاعد النيابية في بعض الدوائر المسيحية في الجنوب وبعبدا، لن يستمر طويلاً، وسينتهي عاجلاً أم آجلاً، من خلال وساطة <حزب الله> أو بفعل التدخل السوري الملحوظ علناً في هذا الاتجاه، لفرض الصيغة التي يراها النظام السوري مؤاتية، لتوفير كل مقومات، إبقاء النائب عون متربعاً على رأس اكبر كتلة نيابية مسيحية في المجلس النيابي الجديد، مهما تعرّض إلى خسارات محتملة في هذه الدائرة أو تلك، لأجل إبقائه الركن المسيحي الأساسي في تحالف قوى 8 آذار الموالي لسوريا، والذي تغلب عليه سيطرة حركة <امل> و?<حزب الله>، ويتطلب الجانب المسيحي مكوناً أساسياً في هذا التحالف، لإظهاره بأنه يضم مكونات من جميع الطوائف اللبنانية، ليبقى رأس حربة النظام السوري للتأثير في السياسة الداخلية اللبنانية، وتنفيذ رغبات هذا النظام بالواسطة، كما كان يحصل خلال السنوات الأربع الماضية، ومن خلال المجلس النيابي، الذي يسعى النظام السوري لإيصال الأكثرية الموالية له ويعمل أقصى ما يستطيع لتقليص عدد الأكثرية النيابية الحالية التي تناهض سياساته وتدخلاته غير المبررة في الشؤون الداخلية اللبنانية.
ولكن مهما تكن الصيغة التحالفية التي ستفرضها دمشق على حليفيها الرئيس نبيه بري والنائب ميشال عون المختلفين حالياً في النهاية لإبقاء التحالف بينهما قائماً حتى خوض المعركة الانتخابية التي يضعها النظام السوري على رأس اولوياته حالياً، إلا ان نتائج هذه الصيغة ستؤثر على آلية التعاطي السياسي بين الطرفين في المرحلة المقبلة، لأن ما يحصل حالياً، ليس وليد قناعة ذاتية من كلا الطرفين، وإنما يجري بفعل ضغوط مفروضة، لا بد وأن ينتج عنه مزيد من التباين والتفسخ والتباعد في التعاون المستقبلي بين هذين الطرفين.