#adsense

حلمٌ برسم أوباما

حجم الخط

حلمٌ برسم أوباما

على طريقة الخلفاء الصالحين حين كانوا يتدروشون وهم يتفقدون أحوال الرعية، يحاول الرئيس الاميركي باراك اوباما ان يتعرّف عن كثب الى هذا العالم الثالث الذي طالما كانت منزلته في آخر جدول اهتمامات روما العصر.
كأنه ينوي ان يغيّر العالم حقاً. وان يبدأ هذا التغيير من الرأس، من رأس السمكة حيث يبدأ الفساد قبل ان يتفشى في انحاء الجسد، وفي انحاء العالم.

بل كأنه وضع نصب عينيه مشروع اميركا جديدة، مختلفة في سياساتها واهتماماتها واولوياتها عن اميركا تلك… التي كانت تخربط العالم وتنشر الحروب والاضطرابات والقهر قبل ان يصل الى البيت الابيض.

اميركا جديدة. عالم جديد. شرق اوسط جديد. ضمنه هذا البلد الصغير الذي يشبه نقطة متناهية في الصغر مقيمة بخفر وتواضع على خريطة العالم.
كأنه كذلك في الواقع، وفي الحقيقة، لا في الحلم.
وكأنه يدرك في قرارة نفسه ان العالم بأسره سيبقى اسير الاضطرابات والارهاب والازمات والانهيارات المالية والاجتماعية والانسانية، ما لم تقف اميركا امام المرآة وتقول لنفسها بشجاعة وحزم من هنا نبدأ.

ومن هنا يبدأ هو في رسم الملامح الاولى لهذه الاميركا المختلفة، القريبة من ذاتها ومن همومها، والقريبة من الشعوب والبلدان الاخرى، ومن اعماق مناجم البؤس والفقر والحرمان.
مما يؤهلها لتقود حركة تقويم شاملة لهموم الناس الذين تحولهم حركة التطوّر المستعجلة والبحث عن الثروات الفاحشة مجرد كائنات ومجموعات بشرية مهملة، همها الاول والاخير الحصول على ما تقيت جوعها به، وطموحها ان تحصل على علاجات، ولو فاسدة، لأمراض متفشية حتى في ارضها وفضائها.

واظن انه يعلم ذلك. ويعرف معنى ذلك. ولديه في ذاكرته حكايات قاسية عن اناس يلهثون وراء مزيد من الثروات والمغانم والاطيان، على حساب اناس يلهثون وراء لقمة العيش.
وما من اميركا اخرى تضع حداً لهذا الظلم القديم، لهذا الظلم الذي يلتهم ثلاثة ارباع الكرة الارضية، وعبر الجشع الاميركي الذي حل محل الطموح، والفساد الاميركي الذي اعمى قلب اميركا وجعلها تحمل لقب الاميركي البشع باستحقاق.
كأن باراك اوباما يريد ان يبدأ من هنا. ومن الصفر. ولن يتردد في وضع حجر الاساس لبناء سياسة اميركية جديدة، وقيم اميركية جديدة، وطموحات اميركية جديدة، تبدّل تلك الصورة المقيتة، وتقدمها للعالم بصورة قريبة من القلب، قريبة من الضمير، قريبة من الوجدان، قريبة من المسؤولية ومحاسبة الذات.

وعوض المضي قدماً في حصد المليارات والبلايين وتبخرها بين ايدي الفاسدين، وعوض ارسال الجيوش الجرارات وآلة الحرب الجهنمية لتحصد الابرياء بالجملة، سيحاول اوباما ان يجعل ابراهام لينكولن معلمه، ودليله، ورفيق افكاره ودربه.
وسيحاول تالياً ان يغيّر ويبدّل الكثير من المفاهيم والاساليب والجموحات الشريرة، ليؤسس اميركا جديدة، همها الاول تأسيس عالم جديد، وعلى اسس من العدالة والرأفة والتعاون، مما يفسح في المجال لبزوغ شرق اوسط جديد، لن يكون محشوراً بين كماشة اميركية وكماشة اسرائيلية.
ولن يكون ابداً بعد اليوم حقل تجارب، ومجرد بئر بترول ومساحة استراتيجية لأطماع امبراطورية جشعة، لا تعرف سوى النهم والهرولة في آثار الثراء الفاحش.

يخالجني شعور، وانا اتابع هذا الرجل الذي يدعى باراك اوباما، انه قد يكون مخلّص اميركا ومخلّص العالم، ومخلّص هذا الوطن المقهور، بل هذه النقطة المتناهية في الصغر على خريطة العالم.
حلم ليلة صيف؟
من الحلم تنطلق عادة المتغيّرات الأغرب من الخيال.

المصدر:
النهار

خبر عاجل