الأكثرية" تستغرب حديث المعارضة عن "تداعيات" لترشّح السنيورة
هل ينجح "حزب الله" في رأب الصدع بين بري وعون؟
حسناً، اذا شاء رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الترشح للانتخابات وأعلن ذلك رسمياً امس من منبر مجلس النواب. لم لا؟ فهذا شأنه، وله الحق كأي مواطن لبناني تتوافر فيه شروط الترشح، وقد اختار الدائرة الانتخابية التي ينتمي اليها، اي مدينة صيدا. ومع ان البعض كانوا يفضلون التوافق في المدينة، فإن المبالغة في التحذير من مغبة ترشح السنيورة قد تخدمه وتنعكس سلباً على منافسه النائب اسامة سعد، وخصوصاً ان جهات في المعارضة، سياسية واعلامية، تركز منذ بداية الحديث عن احتمال ترشح السنيورة على "تداعيات" لهذا الترشح، وابرزها كان رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي دعا تكراراً الى الحفاظ على صيدا "عاصمة للجنوب وعنواناً للمقاومة وأحد روافدها" موحياً ان ترشح السنيورة قد يحدث انقلاباً في التاريخ وربما في الجغرافيا ويغيّر موقع صيدا وثوابتها الوطنية ويؤثر على تاريخها المقاوم. ولا يختلف احد مع الرئيس بري على ضرورة المحافظة على هذا الدور، ولكن ربطه بترشح السنيورة، فيه شيء من المبالغة، خصوصاً ان خلفيته سياسية ربطاً بالخلاف القائم بينه وبين السنيورة. وفي الوقت نفسه، ثمة في الموالاة وكذلك في المعارضة، من يستغرب خطوة السنيورة ""لأن موقعه اكبر من مقعد نيابي" او لأنه "كان يجب ان يراعي التوازنات في صيدا" او "كان في امكانه الترشح في العاصمة بيروت حيث المجال اوسع وارحب من صيدا ذات المقعدين النيابيين فقط" وذلك في مقابل آراء اخرى ترى في ترشح السنيورة "امراً اكثر من طبيعي" وتستغرب كل هذا الضجيج.
وبالتأكيد لم يكن منتظراً من بري ان يسارع الى اصدار بيان ترحيب بترشح السنيورة وتأييده، او ان يتخلى عن تأييد احد اركان المعارضة في الجنوب النائب اسامة سعد. ولكن ربما كان يكفي ان يتمنى بري على السنيورة عدم الترشح "حفاظاً على خصوصية المدينة والتوازنات فيها". على ان صيدا اثبتت على مر السنين ان تاريخها وموقعها الوطني لن تؤثر فيه نتائج انتخابات نيابية.
والى ذلك، فإن السنيورة، وفق مصادر وزارية من الاكثرية "لم يسمح لنفسه مرة بأن ينتقد قراراً لبري بالترشح في هذه الدائرة او تلك في الجنوب او ان يتحدث عن تداعيات لترشحه او لتحالفاته"، مستغربة ما سمته "كل هذا الضجيج" ومتسائلة عن مبرراته.
من جهته، يبدو النائب سعد مرتاحاً الى وضعه الانتخابي، وقد كرر امس تعليقاً على ترشح السنيورة ان فوزه مضمون ويعتمد على وفاء الناس، وقال مازحاً: "يا اهلاً بالمعارك"، وإن يكن بالطبع اكثر راحة بدون مرشح ثان عند "الطرف الآخر". ولكنها في النهاية الانتخابات والخيار في النهاية، كما قال هو أمس للناخبين. ولا مبرر لاي ضغوط، سواء على سعد، او على "مبدأ" ترشح السنيورة. ويدرك العارفون بالمزاج الشعبي في صيدا، ان لكل جمهوره وناخبيه، وفي النهاية، فإن بوصلة الرأي العام لا تخطئ.
وثمة ترقب لموقف "الجماعة الاسلامية" التي سبق لرئيس مكتبها السياسي علي الشيخ عمار ان اعتبر ترشح اثنين من طرف واحد "ترشحاً ضد الجماعة" ثم اعتبر أمس ترشح السنيورة "سلبياً"، مع العلم ان موقف "الجماعة" كان له تأثير مباشر في الانتخابات البلدية الاخيرة وفي فوز الدكتور عبد الرحمن البزري متحالفاً مع اسامة سعد.
وسط هذه الاجواء كان لافتاً ان "حزب الله" تعامل مع المسألة في شكل هادئ، وطبيعي ولم يصدر عنه ما يمكن ان يساهم في تضخيم خطوة السنيورة. ومن الطبيعي ان يدعم ترشيح حليفه في المعارضة النائب سعد مع الاشارة الى ان الحزب، من خلال تصريح لاحد نوابه حسين الحاج حسن، اعتبر ان "حرية الترشح مكفولة دستورياً، ولكن كنا نود لو ان فريق الاكثرية تعلّم من تجربة السنوات الاخيرة ومن نتائج الاستئثار بالسلطة"، كما ان محطة "المنار" التلفزيونية التي يشرف على سياستها الحزب، اعتبرت في مقدمتها الاخبارية امس ان السنيورة بترشحه "يضرب عرفا تاريخيا بالتوافق في المدينة"، وطرحت تساؤلات عن اهدافه وعما اذا كانت ذات صلة "بصراع رئاسة الحكومة المقبلة" او بـ"حماية نفسه من القضاء والمحاسبة بالحصانة النيابية"، نقلا عن النائب سعد.
ولعل ما يوازي "تداعيات" ترشح السنيورة في صيدا، هي تلك التداعيات المحتملة للخلاف الذي ظهر الى العلن امس بين الرئيس بري و"حليف حليفه" رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون حول انتخابات الجنوب ولا سيما في دائرتي الزهراني وجزين حيث يصر عون على تسمية مرشحيهما المسيحيين او معظمهم على الاقل. والسؤال البديهي: هل ينجح "حزب الله" في اصلاح ذات البين بين حليفيه الاساسيين في المعارضة اللذين يشكلان بعده، الكتلتين الاكبر فيها؟ وهل يحل المشكلة على حسابه "ومن كيسه" كما فعل تكرارا في اكثر من دائرة انتخابية ومع حلفاء آخرين؟
واذا كانت مصادر قريبة من الموالاة تعتبر ان تضخيم بري والمعارضة ترشح السنيورة في صيدا "قد يكون الهدف منه صرف الانظار عن خلاف بري مع عون"، فان مصادر المعارضة لم تقطع الامل في التوصل الى تسوية بينهما قطعا للطريق على محاولات تضخيم الخلاف ولانعكاسات محتملة له على نتائج الانتخابات. وقد ترددت أنباء مساء أمس عن مشروع تسوية بينهما. في حين تحدثت مصادر قريبة من المعارضة امس عن "وصول الاتصالات بين بري وعون الى حائط مسدود بعدما تعذر اقناع عون بان يكون النائب سمير عازار جزءا من اللائحة التوافقية الا اذا اعطي المقعد الكاثوليكي في الزهراني والذي يشغله النائب ميشال موسى"، فان المصادر نفسها كررت عدم تخلي بري عن موسى واشارت الى ان النائب عازار حصد كل المقاعد في الانتخابات البلدية الاخيرة في جزين، وفي المقابل نقل عن عون قوله: “اذا ارادها بري معركة فلتكن مفتوحة بيني وبينه، وانا لن اكون معه في معركة رئاسة المجلس المقبلة".
وهذه الاجواء التي عكستها امس مصادر سياسية واعلامية قد تصبح مرشحة للانحسار في حال نجاح "حزب الله" في مساع "لا تزال مستمرة" وفق مصادر قريبة من عون لحل مشكلة بري وعون في جزين والزهراني، وهي مشكلة قديمة بدأت بـ"نقزة" احدثها كلام لاحد القريبين من عون (الوزير جبران باسيل) عشية جولته في الجنوب قبل نحو سنة وجاء فيه: "نذهب لاسترداد جزين واعادتها الى اصحابها".
وهكذا، بين صيدا وجارتها جزين، يبدو السنيورة وبري في "مأزق" بالعدل والقسطاس، وكل على طريقته امام معركة محتملة، ولكنها في النهاية، معركة ديموقراطية انتخابية. فليترك المجال للناخبين لاختيار من يرونه مناسبا بعيدا من اي ضغوط يلوح بها البعض، وبعيدا من اي تهويل. وهي للتذكير سلاح غير مشروع، بل سلاح محرم في الانتخابات ايا تكن.