#adsense

الاحزاب نعمة ام نقمة؟

حجم الخط

الاحزاب نعمة ام نقمة؟

الفترة الذهبية التي عاشتها الحياة السياسية اللبنانية، هي التي امتدت من ثلاثينات القرن ‏الماضي الى بداية خمسيناته، حيث انقسم رجالات السياسة يومها بين تكتلين وحيدين، مع بعض ‏المستقلين هما الكتلة الوطنية بزعامة اميل اده، والكتلة الدستورية بزعامة الشيخ بشاره ‏الخوري، وكان لافتاً في تلك الفترة ان الكتلتين كانتا تضمّان شخصيات مرموقة، وذات شعبية ‏محترمة من مختلف الطوائف والمذاهب، ولم يقتصر تحالف هؤلاء وتعاونهم، في الشأن الانتخابي وحسب، ‏بل تجاوزوا ذلك الى نظرة موحّدة، في احيان كثيرة حول الشؤون السياسية والوطنية، وبهذا ‏المنحى غير الطائفي استطاعت الشخصيات المتحالفة ضمن الكتلة الدستورية، بالتعاون يومها ‏مع حزبي الكتائب والنجادة اللذين كانا في بداية انطلاقتهما، ان تنتزع استقلال لبنان من ‏الانتداب الفرنسي في العام 1943.

‏ في العام 1952، تمت الاطاحة برئيس الجمهورية الشيخ بشاره الخوري، وكان الحزب التقدمي ‏الاشتراكي بزعامة كمال جنبلاط، اللاعب الاساسي في انتفاضة اجبار الشيخ بشاره على ‏الاستقالة، مع مجموعة من السياسيين والشخصيات، غير المؤطرة في تنظيم حزبي، وبعد انتهاء ‏ولاية الرئيس كميل شمعون في العام 1958، الذي شهد تحركاً مسلّحاً واسعاً واشتباكات تحت شعار ‏منع تجديد ولايته، سارع شمعون الى انشاء حزب الوطنيين الاحرار، الذي ضمّ في صفوفه عدداً كبيراً ‏من زعامات وشخصيات غير مسيحية، مثل سليمان العلي، وكاظم الخليل، ومحمود عمّار وقحطان ‏حماده وغيرهم، بمثل ما كانت تضمّه احزاب الكتائب، والكتلة الوطنية، والتقدمي الاشتراكي، ‏الا ان الاحداث التي شهدها لبنان بدءاً من العام 1968، بعدما اعلن الفلسطينيون عملهم ‏المسلّح في لبنان، ومن ثم اندلاع الحرب في العام 1975، اعادا فرز اللبنانيين طائفياً، خصوصاً ‎بعد ‎قتل عدد من المحازبين غير المسيحيين في حزبي الكتائب والوطنيين الاحرار.

‏ هذه المقدمة الصغيرة، هي للتذكير بالحالة الحزبية التي كانت سائدة في لبنان قبل الحرب، والتي ‏لم تكن تلبّي طموحات اللبنانيين، خصوصاً الشباب منهم، والمثقفين الذين كانوا ينادون دائماً ‏بوجوب قيام احزاب وطنية مختلطة لتحلّ محلّ القيادات السياسية الطائفية، او قيادات ‏الاقطاع السياسي.

‏ اذن، القاعدة سابقاً كانت في الدعوة الدائمة، الى انشاء احزاب سياسية تتصارع في البرامج ‏والطروحات وليس على قاعدة اهل البيوتات السياسية التي كانت قائمة على الخدمات الشخصية ‏الصغيرة واستثارة العصبيات الضيقة وتأمين المنافع لها وللحاشية والمفاتيح وزعماء الاحياء ‏والقرى، اما اليوم، وبعد المتغيرات الهائلة التي حصلت في لبنان والعالم، وبعد حوالى 70 سنة ‏واكثر على ممارسة العمل الديموقراطي البرلماني، نسمع اصواتاً من هنا وهناك تنادي بأن ‏اصلبوا الاحزاب، وتجنّبوا الحزبيين، وعودوا الى عهد القبائل والعشائر والاقطاعيات ‏السياسية، والبيوتات العائشة على امجاد الماضي، لأن الاحزاب والحزبيين شر مطلق، وطاعون ‏قاتل، كما صرّح بذلك احد النواب العائشين سياسيا ونيابيا على مائدة احد الاحزاب.

‏ الكل يعرف، ان الحرب اللبنانية افرغت الاحزاب التي تقول بالعلمانية من الحضور المسيحي ‏المؤثر والفاعل الذي كان لهم قبل الحرب، ويمكن هنا ذكر احزاب الشيوعي والقومي والاشتراكي، ‏لأن الرؤية الصحيحة والسليمة للاوضاع التي كانت سائدة في زمن الحرب وما قبلها بقليل، ‏ضاعت في تقديرات قيادات هذه الاحزاب واستراتيجيتها، فاندفعت الى الاصطفاف مع فريق طائفي ‏معين، وخسرت بذلك اعداداً كبيرة من المسيحيين الذين وجدوا الأمان في محيطهم وبين ابناء ‏طائفتهم، بعدما تعرّض عدد كبير منهم، اما الى القتل او التهجير القسري.

‏ واذا كانت هذه الاحزاب تعاني اليوم ضموراً مسيحياً بين صفوف محازبيها، فلأنها فشلت اثناء ‏الحرب، وجددت فشلها بعد اتفاق الطائف، حين اسلمت قيادها الى ايدي الاوصياء، واستمرت في ‏نهج معاداة المسيحيين او تهميشهم، على عكس الاحزاب المسيحية اليمينية، مثل احزاب الكتائب، ‏والقوات، والكتلة الوطنية، والوطنيون الاحرار، التي عادت الى ممارسة دورها على الساحة ‏اللبنانية بعد سنوات طويلة من القمع والقهر والقتل والسجن، مع لمسات كبيرة من التجديد ‏في خطابها السياسي والوطني، فبالاضافة الى تمسكها بثوابتها في السيادة والحرية والاستقلال ‏والقرار المسؤول الحر، انفتحت محلياً على الطوائف الاخرى، ومدّت اليهم يد التعاون على ‏قاعدة لبنان اولا، كما انفتحت على العالم العربي وقضاياه المصيرية الاستراتيجية وفي ‏طليعتها قضية فلسطين، ومحاربة الارهاب، والاصوليات الظلامية، وتمسكت باتفاق الطائف الذي ‏يقول بنهائية لبنان وبعروبته في وقت واحد، فهل يجوز ان تواجه هذه الاحزاب، ومن بعض ‏حلفائها بالذات، بهذه الهجمة من التشويه والتخويف والتحريض على ابواب انتخابات مصيرية ‏‏- باعتراف جميع قيادات 14 آذار – لأن هذه الاحزاب تريد ان تستعيد حقوقها في التمثيل ‏النيابي، لتعود وتوظّف هذه الحقوق في خدمة مشروع ثورة الارز ومبادئها؟‏ مفهوم التعاون بين الحلفاء، يكون على قاعدة «ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» وليس على قاعدة ‏‏«ما لي يخصّني وحدي، وما هو لك يجب ان يكون لي ولك».

هذه القاعدة، هي قاعدة الاستئثار ‏والتسلّط، ولا يمكن ان توصل الى بناء وطن ودولة، وعلى الكل ان يتذكّر بأن الساحات في 14 ‏شباط و14 آذار ملأتها جماهير الاحزاب، والناس المؤمنون بها، وليس جماهير بعض النواب، الذين ‏تحجز لهم المقاعد النيابية لأنهم اولاد حلال».

‏ لا تعرقلوا مسيرة انفتاح الاحزاب المسيحية.

المصدر:
الديار

خبر عاجل