موعدُ مع الأمل
الكلام الحكيم والمترفِّع والذي يشبه لبنان نظاماً وصيغة، والذي افتتح به الرئيس ميشال سليمان مركز هيئة الإشراف على الحملة الانتخابيَّة، أعاد الذاكرة اللبنانيَّة الى الزمن اللبناني المميَّز بالنضج الديموقراطي والممارسة السياسيَّة المسؤولة وخصوصاً في المواسم الانتخابيَّة.
يحتدم التنافس، وتصدح الأصوات في كل المدن والمناطق، وتجوب المواكب المزدانة بصور المرشحين، طوال شهرين ثلاثة.
وتقوم القيامة من الناقورة الى النهر الكبير.
ولكن من غير ان تؤدي الخصومة الانتخابيَّة الى مواجهات وخضات أمنيَّة تُذكر. باستثناء دورة أو دورتين.
ثم ينتهي كل شيء، ويعود الناس الى منازلهم، والى أعمالهم، والى علاقاتهم وصداقاتهم فور انتهاء عملية الاقتراع واعلان النتائج.
وكثيراً ما سارع الخاسرون الى تهنئة الفائزين، وكثيراً ما أصر الفائزون على زيارة من كان خصمهم في المعركة الانتخابيَّة، تأكيداً لكون ما حصل خلال التحضير للمعركة ذهب معها الى غير رجعة.
كأن رئيس الجمهورية أراد بكلامه الذي يرقى بدماثته ومثاليته الى هاتيك الحقبة أن يستحثّ اللبنانيين المشرذمين المتفرّقين، المنقسمين، المتخاصمين حتى العظم، على استذكار لبنانهم الحقيقي، وتقاليده، وعاداته، وأخلاقيات الخصومة التي تدفع الخاسر كما الرابح الى الانحناء أمام النتائج أيا يكن وقعها.
وأمام خيار الناس.
وأمام ارادة الناخبين الذين احتكم اليهم المرشَّحون.
هذه العودة شبه الدائمة الى النموذج اللبناني، والى المناخ اللبناني، والى الاعراف والقيم اللبنانية التي صرعتها الحروب، ودمَّرت قواعدها وكل ما يشهد لها، تثير تساؤلات أجيال ما بعد ذلك الطوفان وتلك الغزوات الهمجيَّة، سواء داخل لبنان أو داخل محيطه العربي الذي خسر لبنان مثلما خسره اللبنانيّون.
وبأشدّ ما تكون تحسّراً وتأسُّفاً ومضاضة.
ما بكم تأخذوننا في كل مناسبة، وبحنين وشغف، الى لبنان الفولكلور والكبة النيَّة والتبولة؟
لاقتناعنا الراسخ ان لبنان ذاك الذي انتحروه، عن سابق تصوُّر وتصميم أجبروه على ان ينقسم، وينفسخ، ويتفكك، ويتحول دويلات طائفية مذهبية قبلية، تتحارب وتتقاتل وتتذابح من غير أن تدري "أنهم" يدفعونها الى هذا الجحيم ليتخلّصوا من هذه الجنة التي اسمها لبنان.
وليقضوا على هذا الشاهد الذي يقضُّ مضاجعهم، ويفضحهم كلما صاح الديك وأطلَّت الشمس.
لذا يتعاظم الخوف من انتكاسات مدبَّرة قد تكون جاهزة خلف الابواب، ومن السقوط مرة أخرى في الفخ، والدخول في التجربة عند كل استحقاق.
من هذه الحقائق والاسباب تجدنا نستحضر لبنان الشاهد عندما ينادي المنادي.
ومن هذه الزاوية كانت نظرة الرئيس سليمان الى موعد السابع من حزيران، ودعوته اللبنانيين لجعله موعداً مع الأمل ومحطة لتحصين دستورنا. فالرابح الكبير هو لبنان والمصلحة الوطنية العليا.
مناشداً القوى السياسيَّة والأحزاب ان تثبت فعل ايمانها بالديموقراطية، ونبذ الفتنة والجهل.
فلتكن، إذاً، انتخابات عودة لبنان.