#adsense

غبن تاريخي يلاحق الأقلّيات المسيحية في الانتخابات

حجم الخط

غبن تاريخي يلاحق الأقلّيات المسيحية في الانتخابات
فهل يعطيهم قانون جديد المقعد المناسب في الدائرة المناسبة ؟

جنى نصر الله
تشعرالاقليات المسيحية في لبنان بالغبن التاريخي. شعور يطفو على سطح هموم هذه الطوائف مع كل دورة انتخاب نيابية ولا سيما انها تعيد تذكيرهم بانهم لا يملكون سوى مقعد نيابي واحد في بيروت على رغم ان عدد ناخبيهم في كل لبنان، يبلغ 43238.
ومع بدء التحضير للانتخابات النيابية المحددة في 7 حزيران المقبل، استعادت الاقليات شعورها بالغبن الذي جاء هذه المرة ممزوجا بالغضب والاستنكار الشديدين بعدما وُضع مقعد الاقليات في دائرة بيروت الثالثة حيث الغالبية السنية بدلا من ان يكون في الدائرة الاولى حيث الغالبية المسيحية.

يستهجن رئيس الرابطة السريانية حبيب افرام هذا التصرف وخصوصا ان "مشروعي قانون الانتخاب اللذين قدمهما سليمان فرنجيه حين كان وزيرا للداخلية، والوزير السابق فؤاد بطرس الذي ترأس اللجنة الوطنية لقانون الانتخاب، وضعا مقعد الاقليات في مكانه الطبيعي، اي الدائرة الاولى حيث البيئة المسيحية التي تتيح لهذه الطوائف حق التنافس وانتخاب او التأثير في انتخاب من تريد. ولكن جاء اتفاق الدوحة ليسرق هذا المقعد من الدائرة الاولى ويضعه في الدائرة الثالثة التي يسيطر عليها تيار واحد وينعدم فيها رأي الاقليات بمن يمثلهم". وكان مقعد الاقليات وفق قانون 1960 في الدائرة الثانية التي شملت مناطق زقاق البلاط، والباشورة، وعين المريسة. ثم انتقل المقعد في انتخابات عامي 2000 و2005 التي جرت على اساس المحافظة الى الدائرة الثانية التي شملت مناطق الاشرفية، والمزرعة، والصيفي. وفاز في هاتين الدورتين النائب نبيل دي فريج الذي ترشح عام 2000 على اللائحة التي كان يرأسها الرئيس رفيق الحريري، ثم عام 2005 على لائحة الرئيس الحريري التي ترأسها نجله سعد الحريري. وتجدر الاشارة الى ان النائب السابق جميل الشماس فاز عن مقعد الاقليات عام 1996 بعدما ترشح على "لائحة قرار بيروت" برئاسة الرئيس الحريري.

أقليات… ولكن

لا تقتصر مشكلة الاقليات على نقل المقعد، بل تشمل وصف هذه الطوائف بالاقليات. وعلى رغم ان هذه التسمية مستمدة من عددهم وليس فيها اي انتقاص او تشكيك في مواطنيتهم، فإن ابناء هذه الطوائف لا يحبّذون هذا التصنيف، وينطلقون في اعتراضهم من ان في لبنان 18 طائفة معترفاً بها في النظام الطائفي اللبناني وهي: خمس طوائف اسلامية، وواحدة يهودية، و12 طائفة مسيحية بينها ست طوائف مدرجة في خانة الاقليات، علما ان ناخبيها يتوزعون في اربع مناطق اساسية هي الاشرفية والمصيطبة وزحلة والمتن. ولا يمكن احتساب الانجيليين الذين يبلغ عدد ناخبيهم 18394 ناخبا في كل لبنان ضمن خانة الاقليات، اذ انهم يملكون مقعدا خاصا بهم تم نقله ايضا الى دائرة بيروت الثالثة.

اما طوائف الاقليات فهي: السريان الارثوذكس الذين يحتلون المرتبة الاولى ربطا بعدد ناخبيهم (16199 ناخبا)، يليهم السريان الكاثوليك (11122 ناخبا)، واللاتين(10853 ناخبا)، والكلدان(3077 ناخبا) والاشوريون (1923 ناخبا) والاقباط (64 ناخبا).
يشكل السريان الغالبية المطلقة ضمن الاقليات، والطائفة الاولى المنضوية في اتحاد الاقليات المسيحية، وقد كانوا احد مؤسسيه عام 1984. ولكنهم، لم يحصلوا، على رغم ذلك على اي منصب وزاري او حتى اي من وظائف الفئة الاولى.

بدأت هجرة السريان الارثوذكس الفعلية الى لبنان مطلع القرن الماضي اثر انتهاء الحرب العالمية الاولى. كانت لهم قبل ذلك الحين كنيسة فاعلة وابرشيات ورعايا في مناطق بشري وحصرون والبترون وجبيل وكسروان وراشيا الوادي وطرابلس وبيروت، ولكن خسروا معظمها في القرن الثامن عشر بسبب الحركة الانفصالية التي قادها المطران ميخائيل جروة، مطران حلب الذي نزح الى لبنان، ولجأ الى درعون في كسروان عام 1782، واسس كنيسة مستقلة تابعة للكنيسة الكاثوليكية في روما.

اما السريان الكاثوليك، وهم قوم اراميون منذ ما قبل المسيح، فقد جاؤوا من بلاد ما بين النهرين واستوطنوا لبنان قبل وصول الموارنة اليه واستقرارهم فيه. ولكنهم سرعان ما حملوا تسمية السريان الموارنة بعد وصول رهبان مار مارون من سوريا الى حيث السريان في اهدن وبشري وحدث الجبة. ومع بداية القرن السابع عشر، ارتفعت اعداد السريان الكاثوليك الذين وصلوا الى لبنان تاركين ديارهم في سوريا والعراق وتركيا لاسباب تتعلق بالتجارة والعمل او الهرب من الاضطهاد العثماني، خصوصاً اثر مذابح 1915 التي شملت السريان كما الارمن.

واذا كان السريان الارثوذكس، الذين كان لهم جناح عسكري انتهى مع حل الميليشيات، قد هاجروا الى السويد بشكل مكثف، فإن السريان الكاثوليك اختاروا كندا والولايات المتحدة الاميركية واوستراليا، في حين ارتكزت اقامتهم في لبنان في حي السريان في الاشرفية، وجونيه، وزحلة وطرابلس.

إجحاف في التمثيل

تمثلت الاقليات بشكل دائم في المجالس النيابية منذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920. والاستثناء الوحيد كان في عهد الرئيس كميل شمعون(1953-1957) حين تألف المجلس من 44 نائبا فقط. ولكن افرام يرى ان "التمثيل كان دائما مجحفا بحق الاقليات. وعلى رغم الزيادات المتتالية لعدد النواب في المجالس المتعاقبة وصولا الى 128 نائبا بعد اتفاق الطائف، فإن اي تعديل لم يطرأ على تمثيل الاقليات، في حين يحظى كل 19 الف مسيحي من الطوائف الاخرى بنائب يمثله في البرلمان، مما يعني ان من حق الاقليات الحصول على ثلاثة نواب".

وكادت الاقليات ان تحصل على مقعد في زحلة في اثناء تعديل قانون الانتخاب عام 1992، لكنها خسرت هذه الفرصة بعدما اُعطي المقعد للارمن الارثوذكس، مما دفع المرشح جورج قصارجي، وهو من الطائفة الكلدانية، الى تغيير طائفته ليصبح ارمنيا ارثوذكسيا، وينجح ممثلا الطائفة الارمنية وليس الأقليات.

بدأ ابناء الطائفة الكلدانية بالتوافد الى لبنان منذ عام 1895 من بلاد ما بين النهرين. وكان معظمهم ينخرط في الطوائف الاخرى ولا سيما الطائفة المارونية، الى ان اوفد بطريرك الكلدان في العراق، الخوري يوسف الطويل ليستقر في منطقة خندق الغميق يهتم بشؤون ابناء الطائفة، الدينية والثقافية. وعلى رغم ان الطائفة الكلدانية حافظت على كيانيتها المستقلة اداريا، فقد تبعت الطوائف الكاثوليكية في ما يتعلق بقانون الاحوال الشخصية.

ومن ابرز ابناء الطائفة الكلدانية ميشال شيحا (شوحا) الذي ساهم في وضع الدستور اللبناني.
لا تتنافس طوائف الاقليات في ما بينها، ولا تعتبر اي طائفة ان لها الحق في احتكار التمثيل، بل هناك تنوّع وتعدد كبيران ضمن الطوائف التي تتشكل منها هذه الاقليات. وقد يكون تقلص عدد الناخبين لدى بعض هذه الطوائف هو احد الاسباب. فالاشوريون، الذين سكنوا في سد البوشرية وضواحيها، والاشرفية، والحدت، وزحلة، لم يتكاثروا، على رغم ان عددهم قبل عام 1975 قد وصل الى العشرين الف. وقد جاؤوا من بلاد ما بين النهرين منذ اوائل القرن الماضي اثر مكائد دبرها الاستعمار الانكليزي واوقعت مذابح بين الاكراد والاشوريين الذين هاجروا الى شمال العراق، ناحية المدن العراقية، قبل ان يبدأوا سلسلة من حالات النزوح في اتجاه سوريا وايران وتركيا ولبنان. لكن عدد الاشوريين في لبنان، بدأ بالتناقص التدريجي نتيجة هجرة ابناء هذه الطائفة بحثا عن فرص العمل وهربا من الحرب التي شارك بعضهم فيها، ومعظمهم من اصل سوري وعراقي.

اما اللاتين الذين وصلوا الى لبنان مع بدء الحملات الصليبية على الشرق اواخر القرن الثالث عشر، فانصهروا مع الكنيسة المارونية. ولم تتشكل الطائفة اللاتينية في لبنان الا خلال القرن التاسع عشر، وبلغ عدد ابنائها نحو ستين الفا، ولكن معظمهم هاجر خلال الحرب. وسبق ان مثل النائب فريد جبران، وهو لاتيني، الاقليات في البرلمان من عام 1960 الى عام 1992.

ولا يكتمل عقد الاقليات الا مع الاقباط الذين جاؤوا الى لبنان من بلاد النيل، ولكن عددهم قليل جدا وان يكن لهم كنيسة بنيت عام 1972، واقيم اول قداس فيها في ايلول من العام عينه برعاية البابا شنوده الثالث.

واذا كانت هذه الطوائف لا تتنافس في ما بينها على الترشح للمقعد اليتيم الذي يمثلها، فانها لا تنتخب ايضا وفق منطق العصبية. فالاقليات ليست حزبا ولا تيارا سياسيا، بل مجموعة طوائف يختار ابناؤها المرشحين الذين يريدون، وخصوصا انهم ينتمون الى تيارات واحزاب سياسية مختلفة.
والسؤال: هل سينصف قانون الانتخاب الجديد الاقليات ويضع لهم المقعد المناسب في الدائرة المناسبة، ام ان عقدة الاضطهاد ستلاحقهم في كل انتخابات ما دام لا احد يحرك لهم قضيتهم أو يساندهم في المطالبة بحقوقهم؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل