زحلة: زعامة سكاف قوة انتخابية واضحة المعالم
تغييرها "لعبة خطرة" تنعكس على كل مسيحيي البقاع
زحلة – دانييل الخياط
مما لا شك فيه ان "زحلة كلها 14 آذار"، فالتاريخ سيذكر ان المدينة لم تكد تفرغ من سكانها سوى في ذلك اليوم اللبناني المطالب بتحرير لبنان من القبضة السورية، ورداً، في جزء منه، على تجمع لبناني آخر نزل في 8 آذار لشكر سوريا.
بعد جلاء عهد حكم سوريا عن لبنان، بدأ عهد الاحزاب العابرة للمناطق والمنزوية في مذاهبها، وعلى غرار الطائفة الشيعية التي اولت زمام قرارها الى ثنائي "حزب الله" – حركة "امل"، عقدت الطائفة السنية لواء زعامتها لتيار "المستقبل" وتوزع المسيحيون على احزابهم وشخصياتهم، الذين تحالفوا بدورهم اما مع الكتلة السنية واما مع الكتلة الشيعية، وبالتالي بات يوم 14 آذار حالة وجدانية في الذاكرة الجماعية الزحلية، وبات تاريخه تسمية لاصطفاف سياسي للتحالف مع الكتلة السنية ومناوئ لـ"حزب الله" بالنسبة لبعض الزحليين. و8 آذار تسمية لاصطفاف متحالف مع الكتلة الشيعية ومناوئ للقيادة الحريرية بالنسبة الى البعض الآخر. على هذا المستوى من الخيارات الوطنية تخاض معركة زحلة الانتخابية، ومنه ينبثق المستوى الطائفي للخيارات الزحلية الانتخابية على الصعيد المسيحي العام، الذي تخوض قياداته معركة تزعّم قراره. لكن لتكسب وطنيا يجب ان تربح مناطقيا، وبالتالي فان معركة زحلة تخاض تحت شعار "قرار زحلة" غلافا براقا لكل الابعاد الاستراتيجية والاقليمية واللبنانية والمسيحية لاستحقاق بناء السلطة.
تحت شعار "القرار الزحلي" خاض تحالف "الكتلة الشعبية" – "التيار الوطني الحر" – الطاشناق انتخابات 2005 ونجح في تجييش الشارع المسيحي كثافة مشاركة واقتراعا له في وجه تحالف رباعي بدأ بحصاد المقاعد، في معركة اجريت على مراحل، وحين خاضت زحلة معركتها اعطت التحالف الوجه المسيحي نفسه في وجه التحالف ذات الوجه الشيعي – السني – الدرزي.
صحيح ان ظروف انتخابات 2009 ومعطياتها تغيرت، فلا وجود لتحالف رباعي معلن، يقابله توزع تحالفات الكتل المسيحية وطنيا على الكتلتين السنية والشيعية في انتخابات ستجري في يوم واحد. ولكن هل يخوض المسيحيون حقا معركة مختلفة عن معركة 2005؟ فالمناطق ذات الغالبية الشيعية او السنية او الدرزية لا تزال معقودة لاربابها بفعل تكتل معظم اصواتها خلف زعامة وحيدة، وثمة همس يصدر من خلف الكواليس حول تسويات على مقاعد هذه الطوائف الثلاث في بعض المناطق المختلطة مذهبيا وسياسيا. المعركة بشكل اساسي مسيحية – مسيحية، والفريق الذي يكسب المناطق المسيحية يكسب الاكثرية. وبالتالي فان المسيحيين مدفوعون الى خوض معركة لالغاء ما تميزوا به: تعدديتهم السياسية، لكي يتمكنوا من ان يكونوا قوة تخاطب الشركاء المتكتلين وتحصل على حقوقها، عليهم ان يصبحوا برأس واحد. وعليه فان "قرار زحلة" يجب ان يكون بزعامة مسيحية، ولكن كالبردوني الذي يرفد الليطاني، هذا القرار يجب ان يرفد كتلة مسيحية اوسع، تصب بدورها في البحر الوطني الموزع بين خيارين سياسيين الى الآن.
كيف ينعكس كل ذلك على معركة دائرة زحلة الانتخابية المحصورة بشكل اساسي بين لائحة الوزير الياس سكاف وسائر حلفائه ولائحة قوى 14 آذار، والتي سيقرر فوز احداها نسبة اقتراع الناخب المسيحي وطريقة اقتراعه بين صب لوائح او تشكيل لوائحه؟
لقد فوتت قوى 14 آذار على نفسها فرصة ذهبية لتسديد هدف سهل ونظيف في مرمى الخصم الانتخابي، واوجدت نفسها في اللعبة التي توسلها الخصم ليربح معركته السابقة من دون ان تكون مستعدة، في وقت كان لديها اربع سنوات للتحضير لها من دون ان يعني ذلك ان الخسارة والربح محسومان لاي من الفريقين.
صحيح ان لائحة سكاف هي تحالف لاحزاب وقوى عدة، لكنها جميعها في توافق انتخابي، اعطت هذه اللائحة وجها واحدا تطل به وصوتا واحدا تتحدث به، فاذا اردت ان تعرف عن لائحة سكاف وشركائه فما عليك سوى ان تقابل الوزير سكاف في مقر "الكتلة الشعبية"، اما اذا اردت ان تعرف عن لائحة 14 آذار فعليك ان تدور على كل المرشحين المنضوين في هذا الخط وعلى طباخي اللائحة البلديين. لائحة 14 آذار لغاية هذه المرحلة من المعركة لها اكثر من صوت ولا وجه محددا، وعندما تتعدد الرؤوس والاصوات تتعدد وجهات النظر والآراء ويصعب التحكم في اخفاء التباينات بين المرجعيات المسيحية الوطنية التي تتبنى الترشيحات الزحلية وتدعمها وبينها وبين المرجعيات الزحلية، وتفضح مواطن الضعف.
لائحة سكاف وشركائه تنطلق من انها موجودة كفريق شكلّ كتلة نيابية مناطقية اسمها "الكتلة الشعبية" منضوية في تكتل مسيحي هو "تكتل التغيير والاصلاح" متحالف مع خط 8 آذار، اما لائحة 14 آذار فلا يزال عليها إلا ان تجيب عن اسئلة كثيرة مبنية على المستويات الثلاثة للمعركة الانتخابية، ففي حال فوزها ستصب حكما في خطها السياسي ولكن هل تشكل كتلة مناطقية؟ هل ستلتحق بكتلة مسيحية وما هي هذه الكتلة؟ هل سيلتحق نوابها الحزبيون بأحزابهم، فيلحق الكتائبي بكتلة الكتائب والسني بكتلة تيار "المستقبل" سواء فازا مع سائر زملائهما او بمفردهما؟ اما اذا خرق المستقلون فباي كتلة سيلتحقون؟ سريعا يجب ان تنظم لائحة 14 آذار نفسها وتسد هذه الثغر التي سيستغلها خصومها في معركة "قرار زحلة".
وتوضيح الصورة له ابعاد تتخطى زحلة نفسها، الى الوضع المسيحي عموما والبقاعي خصوصا. ارادة تغيير الزعامة السكافية عن زحلة واسعة ومشروعة، ولكن هذا التغيير لعبة خطرة لها انعكاساتها على كل مسيحيي البقاع من القاع في الهرمل الى الحوش في راشيا، يتطلعون الى زحلة التجمع المسيحي، المتمثل بخمسة مقاعد مسيحية، الذي ينتخب المقعدين السني والشيعي وسط مد سني غربي جنوبي ومد شيعي شرقي شمالي، لا وزن للصوت المسيحي فيهما. زحلة المدينة الكاثوليكية عرفا، في ظل الكانتونات المذهبية غير المعلنة، متمثلة بالياس سكاف الذي ورث زعامة والده التي امتدت في يوم من الايام على طول البقاع وعرضه، زعامة تقلصت مع الوارث، حتى ضمن التجمعات المسيحية ولكنها وجدت لها امتدادا في تحالف مسيحي اوسع خارج البقاع. وبالتالي اذا ارادت قوى 14 آذار التفوق على هذه الزعامة يجب ان تقرنها ببناء زعامة تحل محلها تجد امتدادها في تكتل مسيحي. فمن هي هذه الزعامة؟
على رغم كل الوهن الذي اصاب زعامة الياس سكاف، فانه لا يزال قادرا ان يقول اذا فزت من دون لائحتي فسأستقيل، ويترك تصريحه اثرا في النفوس.
شعار "قرار زحلة" وجد في مواجهة التحالف السني – الشيعي – الدرزي على الصعيد الوطني ولكن زحليا كان في مواجهة الكتلة السنية بقيادة النائب سعد الحريري، الناخب الاكبر بين المذاهب المسيحية والاسلامية في دائرة زحلة.
صحيح ان الصوت الشيعي لا يستهان به ولكن لسبب ما فان هاجس الصوت السني هو الفزاعة الزحلية، ربما يعود ذلك الى ان فوز "لائحة القرار الزحلي" بستة مقاعد في الانتخابات الماضية حصل من دون حاجة جوهرية الى اصوات "حزب الله" وحركة "امل" التي اعطت سكاف ومرشح "التيار الوطني الحر" النائب سليم عون من دون سواهما على اللائحة، وبالتالي كان فوزا بنكهة مسيحية طاغية. وربما لان الثنائي الشيعي يعرف كيف يلعبها، فلا يتدخل مباشرة في تسمية الشيعي في زحلة ويكتفي لغاية الآن بتركه لمؤلفي اللائحتين المتنافستين وبدعم احد المرشحين بحسب تحالفاته وطنيا. علما ان "زحطة" كادت تودي بهذا التوازن الدقيق، عندما كثر الحديث عن رغبة الرئيس نبيه بري في المقعد الشيعي في زحلة، وربطه برغبة "التيار الوطني الحر" بحصة من المقاعد المسيحية في جزين. لولا انه تم استدراك الامر بفك الارتباط بين المنطقتين عبر تفويض سكاف بالامر ليرتاح التيار في خياراته الجزينية، علما ان هناك سؤالا يطرح، هل قبول بري بعدم تسمية المرشح الشيعي في زحلة يعني ضمنا انه سيجير اصواته لمرشح اللائحة؟ وهنا ربما يمكن فهم التعامل مع وزن الصوت الشيعي في ظل الرهان الدائم على ثنائية الحزب – بري في لعبة التباين الكامن بينهما او هيمنة احدهما على الآخر مضافة الى تفلت أصوات شيعية من قبضة الثنائي على الصعيد الزحلي.
في المقابل فان الاكثرية النيابية كان لها وجه واحد هو وجه سني، والاصوات السنية ارتفعت صاروخيا في دائرة زحلة بعد مرسوم التجنيس، وباتت العشائر العربية تنتخب في حارة الراسية وهي واحد من اقدم احياء زحلة، وتتحكم بالانتخابات البلدية في بلدات مسيحية او ذات وجه مسيحي، اضف ان كفة الربح تميل الى الفريق الذي تؤيده الكتلة السنية في حال لم يتم تجييش الشارع المسيحي، او في حال تشتت اصواته تشطيبا.
ولكن هذه العنصرية الطائفية المتبادلة، تطرح مشكلة كبيرة في لعبة "قرار زحلة"، مشكلة يمكن حلها بالنسبة الى 14 آذار وعصية على الحل للائحة سكاف وحلفائه. كيف يمكن ان يكون الصوت السني ثمينا في نجاح قوى 14 آذار في انتخابات زحلة، واضح في قدرته التجييرية بينما قدرة حلفائه المسيحيين لا تزال قيد التجربة، ولكن يراد له ان يبقى خلف الكواليس، يسمي علنا السني والشيعي ويستشار سرا بالمرشحين المسيحيين الخمسة؟ يعني حين يحضر رئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" سمير جعجع الى زحلة ينزل في فندق قادري الكبير ولكن زعيم تيار "المستقبل" سعد الحريري اذا حضر فالى ضواحيها وينزل في "بارك اوتيل شتورا"؟
ولكن ثمة معضلة للائحة سكاف العاجزة عن تمثيل الناخب السني ما لم تترك المقعد السني شاغرا. فاي مرشح سني على هذه اللائحة لن يأتي باكثر من اصوات عائلته وفروعها، ولا احد يضمن قدرته على تجيير هذه الاصوات الى اللائحة باكملها، وهو في كل حال حتى لو فاز فانه على الارجح سيصل الى مفترق طرق وسيختار بشكل طبيعي ان يلتحق بطائفته وبيئته، وتصريحات العماد ميشال عون بحق "قريطم" كفيلة بتسريع قراره. وعليه فان لائحة سكاف وشركائه محكومة بانتظار ان يسمي الحريري اولا مرشحه السني، فلا يستجرون على انفسهم غضب الشارع السني باخذ المبادرة في التسمية، ولكن يخطئ من يراهن على ان الخائبين من قرار الحريري سيربحهم التحالف المضاد.
بناء على كل ما تقدم يمكن القول بان "قوى 14 آذار" اهدرت وقتا ثمينا في التحضير لمعركة زحلة، ولم تسهر على نمو مجموعة وجوه جديدة مختلطة مذهبيا تجمعها ميولها لـ 14 آذار وطموحها السياسي، وانسجم بعضها مع البعض بفعل اجتماعاتها وعملها معا لاكثر من سنة تقريبا، وبدأ تداول اسمائها في المجالس كنواة لائحة، مجموعة بلا ماض يكبلها، متفلتة من المحاسبة التي لا بد ان يخضع لها النواب.
هكذا وجدت "قوى 14 آذار" نفسها على مسافة اقل من ثلاثة اشهر من الانتخابات مضطرة الى ان تختار بين المتاح من المرشحين وتشجيع بعضهم على الترشح ومن ثم المفاضلة بينهم لتشكيل لائحتها.
من اجل كل ذلك فان من مصلحة 14 آذار ان تنجز سريعا لائحتها، وتركز على حسن اختيار المرشحين وتنزع الالغام الكامنة فيها، وفي انتظار ان تصوب عنوان المعركة، ان تركز حملتها الانتخابية حاليا على اسماء مرشحيها واخصامهم الامر الذي يقع في مصلحتها.