14 آذار" تتوجّه إلى اللبنانيين ببرنامج موحّد و"8 آذار" تعتمد على الالتزام الحزبي لكسب التأييد
معركة انتخابية بين حرية الاختيار ومنطق "فرض" الخيارات
أيمن شروف
في وقت يستمر الحراك الانتخابي في وتيرته التصاعديةبعد إقفال باب الترشيحات، تتجه الأنظار إلى الحملات الانتخابية لفريقي 8 و 14 آذار، والطريقة التي سيتوجهان عبرها إلى الرأي العام، لكسب أوسع تأييد في معركة توصف بأنها "مفصلية"، وتحدد الوجهة المستقبلية للبنان بعد 4 سنوات من التعطيل والخلاف السياسي الذي أخذ في مراحل متعددة أوجهاً بعيدة كل البعد عن أصول العمل السياسي، حين حاول البعض ممن لم يحالفه الحظ في انتخابات عام 2005، أن يفرض وجهة نظره، تارة بالاعتصامات وتارة أخرى بقوة السلاح. أما اليوم، فالحديث عن إجراء عملية ديموقراطية، وإفساح المجال أمام المواطن اللبناني للتعبير عن رأيه بحرية، والاعتراف بقرار "الشعب" إلى أي جهة أتى، يأخذ مكانه على لسان كل الأفرقاء السياسيين. والمستمع إلى خطاباتهم، يراهم يعوّلون كثيراً على هذا "الخيار الحرّ" الذي للشعب أن يقرره في صناديق الاقتراع يوم 7 حزيران المقبل.
هذا الحديث، وإن يراه البعض في سياق الخطاب الانتخابي "الجاذب" لعقول البعض، فإنه في نفس الوقت يطرح أمام هذه القوى، إشكالية تكريس هذه الديموقراطية التي يتحدثون عنها، وهذا لا يكون بالخطابات والشعارات الطنّانة والرنّانة التي اعتدنا عليها، بل هو يفرض عليهم تقديم مشاريع جدية ورؤى موضوعية لمستقبل لبنان، ليكونوا بذلك يترجمون دعواتهم إلى ممارسة ديموقراطية، بتقديم مادة للرأي العام تساعده على اتخاذ خياره الديموقراطي والحر، فلا إمكانية للحديث عن الديموقراطية، ما لم تكن مقرونة بالحد الأدنى من الاحترام والتقدير الفكري لفئات المجتمع على اختلافها.
لا يخفى على أحد، أن الانقسام السياسي في لبنان، يتوزع بين فريقي 8 و 14 آذار، وهذه القوى تجمع العديد من الأحزاب اللبنانية المنضوية في هذا التحالف أو ذاك، تبعاً لإيمان هذه الأحزاب والقوى بهذه التحالفات وبالعناوين العريضة التي تطرحها وتنادي بها، وهذا الانتماء بحد ذاته يفرض على طرفي النزاع أن تتقدم إلى الرأي العام ببرامج محددة بعيداً عن البرامج الحزبية التي، وعلى الرغم من أهميتها، لا تستطيع تأمين إجماع لدى المواطنين على تحالف برمته.
قوى 14 آذار أدركت هذا الأمر مسبقاً فتوجهت إلى اللبنانيين ببرنامج عنوانه "العبور إلى الدولة"، شكّل في مكان، ما سابقة في العمل السياسي والانتخابي بالتحديد، وبغض النظر عن فحوى هذا البرنامج، إلا أنه يجسد إجماع القوى السياسية والأحزاب المنضوية في صفوف الأكثرية على رؤية واحدة وموحدة لمستقبل لبنان. كما أن هذا البرنامج، شكل اعترافاً صريحاً من هذه القوى بحق الجمهور العريض في أن يكون على بيّنة من كافة الأمور التي تتعلق بواقعه المعاش ومستقبله، وهذا بحد ذاته اعتراف صريح بحق المواطن في المشاركة باتخاذ القرارات، هذه المشاركة التي ستترجمها صناديق الاقتراع سلباً أم إيجاباً.
برنامج مفقود
في المقلب الآخر، تتجه قوى 8 آذار نحو معركة انتخابية مهمة بالنسبة لها، تريد من خلالها أن تفوز بالأكثرية النيابية، كي تستطيع الحكم وترجمة رؤيتها عبر مؤسسات الدولة، وهي إلى اليوم لم تتقدم إلى الرأي العام ببرنامج موحد يجمع ما بين أحزابها وقواها على اختلافهم، وعلى الرغم من أنهم جميعاً متفقون على وحدتهم السياسية، إلا أن هذا الاتفاق لم يترجم إلى اليوم بأي عمل تنظيمي جماعي، واقتصر منذ 4 سنوات وإلى يومنا هذا على تفاهمات جانبية واتفاق على عنواين عريضة، دون الغوص بالتفاصيل، فترى بعضهم يرفع شعار "المقاومة" كبرنامج جامع لكل اللبنانيين، فيما يحرص البعض الآخر منهم على حمل لواء "محاربة الفساد" إعلامياً، دون أي ترجمة واقعية حتى الآن، وبقي آخرون في هذا الفريق، متّكئين على رصيد "شعبوي" لحلفائهم، يضمن لهم الاستمرار في الحياة السياسية من دون أي مجهود. هذا النهج، وإن دل على شيء، فهو يعبر عن نظرة "استعلائية" لدى هذه القوى في التعامل مع شريحة كبيرة من المؤيدين والمحازبين، فتكتفي بالعناوين العريضة لتوجيه جمهورها، وأكثر من ذلك، تلجأ معظم هذه القوى إلى أسلوب الخطاب التعبوي لكسب دعم فئات المجتمع، ومهاجمة الخصوم لـ"شدّ العصب"، تارة بشعارات طائفية، وتارة بإيهام الرأي العام أنهم يتحسسون بواقعهم المعاش وحالتهم الاقتصادية المتردية التي هي بحسب ما يقولون، نتيجة حتمية تسبب بها "الطرف الآخر"، على الرغم من أنهم شركاء في الحكم منذ فترة ليست بقصيرة، وقبل ذلك، كان باستطاعتهم "التحكم" بمقدرات الدولة ومؤسساتها، عبر طرقهم "الخاصة" التي يتقنونها جيداً.
فأين الديموقراطية في أسلوب التعاطي هذا؟ وكيف للمواطن اللبناني أن يقترع لما هو غير موجود وغير متوفر؟ ولماذا لا تستطيع هذه القوى أن تخرج بمشروع واحد يتماشى مع الحديث عن تحالف سياسي عريض؟ وهل يعقل أن تتّكل "8 آذار" وهي التي تنادي بالتغيير وتحمل الشعارات الطنانة والرنانة، على انتماء الفرد إلى الحزب فقط كي يتأمن الإجماع على "وحدة الاقتراع"؟ ولماذا لا يكون لديهم برنامج كالذي قدمته قوى 14 آذار؟
تقدير المواطن
في هذا السياق، يعتبر النائب مصطفى علوش، أن قوى الأكثرية لديها توجه واحد في السياسة والاقتصاد، ومشاريعها متشابهة إلى حد بعيد، مع بعض التمايز في النظرة والرؤية الاقتصادية، في حين ان قوى 8 آذار، وإن كان لديها رؤى اقتصادية، فهي ليست متطابقة ولا يمكن التوفيق فيما بينها، أما في الرؤى السياسية، بحسب ما يقول علوش، فهي تصل إلى حد التضارب، ففي وقت يريد "حزب الله" الارتباط الكلّي بولاية الفقيه، تتجه "حركة أمل" نحو المذهبية المحلية، أما التيار الوطني الحر فمشروعه أقلّوي، وباقي القوى في هذا التحالف والتي تسمي نفسها علمانية، بعضها سوري والبعض الآخر وحدوي، ولهذا لا يمكن لهذه القوى أن تأتي ببرنامج موحد إذ سيبرز الخلاف الكبير فيما بينها.
ويتابع علوش بالاشارة، إلى أن قوى الأكثرية، من خلال البرنامج الذي قدمته، عبّرت في مكان ما عن تقديرها للمواطن اللبناني وتطلعاته، وقدمت إطاراً تحترم من خلاله الرأي العام والجمهور غير الحزبي بالتحديد، ليختار ما يريده في السياسة والاقتصاد، وهذا ما يميّز هذه القوى عن ما تقدمه الأقلية من مشروع طائفي سلطوي.
وإذ يشدد علوش على أهمية أن يكون هناك برامج انتخابية تشكل نوعاً من الاحترام لعقول الناس، يعتبر أنه لا يمكن أن يتوجه البعض إلى المواطن بشعارات غامضة، او الاعتماد على الانتماء الحزبي لضمان إجماع حول الخيار الانتخابي، لأن في ذلك ضرب لأسس الديموقراطية، وتكريس فكرة الولاء الأعمى لقرارات القائد.
الالتزام بالقرار
في الضفة المقابلة، يشير القيادي في "التيار الوطني الحر" آلان عون، إلى أن التيار يستعد لتقديم برنامجه الانتخابي في 7 أيار المقبل، وسيتطرق إلى كافة المواضيع المتعلقة بالدولة في القطاعات كافة.
هذا بالنسبة إلى رؤية التيار، أما البرنامج الموحّد لقوى 8 آذار، فيرى عون أن التوجهات الكبيرة، والعناوين العريضة، متفق عليها بين أفرقاء "المعارضة"، ولكن كل تيار لديه نظرته لبعض الأمور، مؤكداً في الوقت نفسه، أن ما يجمع أفرقاء المعارضة يكفي لضمان التحالف فيما بينهم.
لا يرى القيادي في التيار الوطني الحر، ضرورة في تقديم مشروع موحد يجمع أطياف تحالف 8 آذار كافة، لأن التيار عندما يطرح اسم مرشح يكون لديه كامل الثقة بما سيقدمه لاحقاً، مشيراً إلى أن التحالفات التي يقومون بها تنطلق من اعتبارات عدة، أهمها تأمين إنجاز الاصلاحات والتغييرات التي نريد القيام بها.
كما أن عون، يعتبر أن بإمكانهم ضمان صوت الناخب لمرشحيهم ولمن يتحالفون معهم من منطلق أن المواطن لديه ثقة بالتحالفات التي نقوم بها، والأهداف التي نضعها من اجل هذه التحالفات، وبالتالي ضمان الالتزام بخياراتنا. وفي الوقت نفسه يلفت عون إلى أن المواقف عرضة لتقلبات يفرضها الواقع السياسي، وهذا ما حصل من العام 2005 وحتى اليوم.