ثوابت الكنيسة خريطة طريق للخلاص
الكل يعرف ان السياسيين، او على وجه الدقّة اغلبيتهم الساحقة، يستخدمون في مرحلة الانتخابات النيابية لغة خاصة، ومقاربة مختلفة، وتعابير معينة، لا تستخدم عادة في الحياة السياسية النمطية ذات الرتابة المرتفعة، والهدف من وراء ذلك، كما هو معروف، تبييض صفحة المرشح امام الناخبين بتسويد صفحة الخصم، وتبقى هذه الحالة مقبولة ومشروعة، ان هي حافظت على الحد الادنى من احترام الآخر، ومن عدم قلب الحقائق وتشويهها، ومن عدم اختلاق روايات وتصويرها وكأنها واقع، كما يحدث في هذه الايام، ليس بين الخصوم السياسيين وحسب، بل ايضا بين «الحلفاء» الذين تعاهدوا على التعاون في مسيرة سياسية واضحة الاهداف والابعاد لا يشكل التعاون الانتخابي فيها سوى جزء محدود من مضمونها ولذلك فإن رئيس الجمهورية عندما يدعو الاطراف جميعا، الى التنافس الحر وليس الى التناحر المميت، يكون متخوفاً من الخطاب السياسي القائم الذي يخفي الكثير من التشنج والحدة، والكثير من سوء النية عند بعض الاطراف، ما قد يترجم لاحقاً بتحرك على الارض، في حال النجاح في الانتخابات او الخسارة، لا يكون في مصلحة الوطن والدولة والعيش المشترك حتى ان الرئيس ميشال سليمان اعتبر في شكل او آخر اجراء الانتخابات في يوم واحد انما هو تحد لارادة القيادات السياسية وقدرتها على عبور هذه المحطة المهمة بأمن وسلام.
واذا كان بعض ما يقال ويشاع و«يفبرك» يمكن تجاوزه واعتباره من الخطايا العرضية، الّا ان تهديد بعض المرشحين لمنعهم من الترشح في دوائر معينة تحت حجة ان لها خصوصية معيّنة، او العمل بكل الوسائل لتأمين اكثرية ثلثي النواب في المجلس المقبل لاستخدام هذه الاكثرية في القيام بعمل انقلابي او شبه انقلابي ضد الدولة والحكم، فهما يعتبران من الخطايا الوطنية الكبيرة التي يمكن في حال وضعت موضع التنفيذ، ان تقوّض النظام القائم، والدولة وربما الوطن.
ومن هذا الباب تحديدا يمكن فهم مسارعة قوى 8 اذار الى رفض وتسفيه ما تقوله بعض قيادات 14 اذار من ان المعركة الانتخابية هي محطة مصيرية وفاصلة في تاريخ لبنان، لانها لا تريد لجمهور 14 اذار العريض ان يستنهض ويتحفّز للدفاع عن ثوابته واهداف ثورته، ومع الاسف لان بعض قيادات هذا الجمهور وقع في التجربة وفي الفخ الذي نصب له، وساهم بمواقف ملتبسة وغير مفهومة، بفرملة اندفاع جماهير ثورة الارز لتحقيق نصر كبير في الانتخابات النيابية المقبلة، ولذلك سارعت قوى حيّة في 14 اذار، تقرأ جيدا مخاطر خسارة الانتخابات، الى تكثيف جهودها والعمل على رأب ما تصدّع، بفعل موقف من هنا، او تصريح من هناك، ومعظم الدلائل تشير حتى الآن، الى انها نجحت في تضييق مساحة الفجوة، دون ان تردمها نهائيا بسبب انتصار الشخصانية على المصلحة الوطنية عند بعض من قرر ان يستمر مغرِّدا خارج سرب 14 اذار.
* * *
ان دعوة الرئيس سليمان المرشحين والقيادات الى التنافس وليس الى التناحر، والتي اتبعها بوصيتين، الاولى تقول بوجوب ان ينحني الخاسر والرابح امام ارادة الناس وثقتهم، والثانية بضرورة القبول بالنتائج لأنها اهم من الانتخابات ذاتها، تعكس حرصه على عدم هز الامن قبل موعد الانتخابات واثناءها وبعدها، كما تعكس رغبته بعدم تعريض المناطق ذات الغالبية المسيحية الى المزيد من الانقسام والتوتر، على اعتبار انها المناطق الوحيدة تقريبا التي ستشهد معركة انتخابية حقيقية، خلافا للمناطق الاخرى التي اصبحت نتائجها معروفة سلفاً.
واذا كان الرئيس سليمان قد اجرى حقيقة اتصالات لخلق جو من التفاهم والوفاق بتشكيل لوائح تضم الكل فلأن طبعه التوافقي ودوره الحيادي يحتّمان عليه بذل المستحيل لتأمين اجراء انتخابات نزيهة وحرة وشفافة ومن دون اراقة دماء، اما اذا كان لم يوفق في سعيه هذا بسبب الانانيات المستحكمة بالطامحين الى السلطة والغاء الآخر، فعلى المرشحين المستقلين الذين ينطلقون في سباقهم نحو النيابة من قاعدة دعم رئاسة الجمهورية وتعزيز صلاحياتها، ودعم قيام الدولة ومؤسساتها، واعتبار الجيش والقوى الامنية ملاذ المواطنين الوحيد، تفعيل تحركهم، وتكثيف نشاطهم، والجهر بأهدافهم، ومد يد التعاون الى الاحزاب والشخصيات التي تشاركهم هذه الاهداف الثوابت، لخوض معركة انتخابية تحقق نتائج ايجابية تصب في مصلحة الحكم والعهد والوطن.
مسيرة قوى 14 اذار الانتخابية تعثرت لاسباب مختلفة في محطات عدة، والامر ذاته حصل مع جماعة المستقلين لكن الوقت لم يفت بعد لتصويب ما حاد عن الخط المرسوم، ولتقويم ما اعوجّ من مواقف وخطوات.
اما بالنسبة الى الناخبين فإن الكنيسة المارونية الوطنية قد وضعت لهم خارطة طريق واضحة، ليس امامهم سوى عبورها، ليجتازوا طريق الجلجلة الى القيامة الاكيدة.