"14 آذار" في زحلة: اللائحة شبه جاهزة وقدّمنا نموذجاً لاحترام التنوّع والتعدد
كتب بيار عطاالله:
في ذاكرة الزحليين واهالي البقاع الاوسط هذه الايام حدثان تاريخيان يتداولونهما. الواقعة الاولى عن سفر المثلث الرحمات المطران كيرللس مغبغب راعي زحلة الكاثوليكي الى فرنسا ومقابلته رئيس وزرائها "ميلران" للمطالبة باعادة زحلة وسهلها الى لبنان، بعد تفويضه من عموم الزحليين اثر اجتماع عقد في دار المطرانية في 26 حزيران 1919. والواقعة الثانية تعود الى 12 تموز 1919 مع صدور موقف جماعي زحلي متجدد بالمطالبة بلبنان الكبير ورفض كل مشاريع الوحدة مع سوريا، وصدرت جريدة "لسان الحال" في تاريخ 13 تموز 1919 وفيها: "ان انتصار الدعوة اللبنانية في زحلة لم يسبق له مثيل، وكان صياح الاهلين "ليحيا لبنان" يصل لعنان السماء".
مبعث هذا الكلام ما يتم تداوله عن انتماء زحلة وهويتها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها وتقديمها ناحية مستقلة عن محيطها الطبيعي وتاريخها وتراثها. ويتمسك مناصرو قوى 14 اذار بهذه الوقائع للتأكيد ان زحلة لم تنفصل يوماً عن تاريخ لبنان، وانها شكلت دائماً حصناً متقدماً للدفاع عن الجبل والحضور الحر ولم تتنكر يوماً للثوابت الكيانية ولا تراجع اهاليها عن وفائهم لهذه الثوابت على رغم ما تعرضوا له من قمع ممنهج ومدروس خلال سنوات الاحتلال السوري الطويلة للمدينة، حيث بُذلت جهود كبيرة لتدجين الاهالي من دون ان تفلح.
في رواية زحلي عتيق ان "زحلة خدعت مرتين، الاولى عندما دخلها العسكر العثماني حاملاً رايات يوسف بك كرم فظن الاهالي انه النجدة الآتية لمساعدتهم فكان ان احرقت مدينتهم ودمرت. والمرة الثانية كانت عام 2005 عندما توجه مرشحو "التغيير والاصلاح" الى زحلة تحت ستار انقاذها من "الحلف الرباعي" الذي لم يكن الا عملية التفاف واسعة مدروسة تم تنسيقها بدهاء من اجل اسقاط رموز المقاومة الحقيقية في المدينة. الامر الذي يبدو تكراره صعباً في دائرة زحلة نتيجة تبدل المزاج المسيحي وانكشاف الكثير من الحقائق والامور ولأن طبيعة الزحليين وثوابتهم لا تقبل الا التمسك بالدولة وسلاح الجيش ورئاسة الجمهورية".
صراع واضطهاد
عرفت زحلة الصراع العائلي منذ زمن بعيد، وانقسم الشارع فيها بين حزبين بتبدل الظروف والمعطيات، والاصطفافات الحادة ليست غريبة عن تاريخ المدينة التي تقسمها السياسة ويوحدها الخطر ربما. وفي سجل زحلة تاريخ من التنافس بين "حزب الضد" الذي يضم تحالف عائلات المدينة الكبيرة في مواجهة آل سكاف. لكن كل ذلك تغير خلال المرحلة الممتدة من عام 1992 حتى الخروج العسكري السوري. إذ عرفت زحلة في تلك المرحلة 6 انتخابات: 4 نيابية و 2 بلدية، تميزت بالسير على وقع الساعة السورية، فكانت الخلافات تحل والتحالفات تنسج واللوائح تشكل بسحر ساحر والنتائج تعرف سلفاً حتى قبل بدء الانتخابات. فمن كانت ترضى عنه "عنجر" تدخله لائحة الفائزين المظفرين، وتؤمن له مقومات النجاح، والنقيض صحيح. في حين كانت الاحزاب المسيحية التي تحملت وزر الدفاع عن المدينة خلال ايام الشدائد تتعرض للقمع والاضطهاد والاعتقالات من دون ان يكون لها اي دور يذكر في تلك الحقبة سوى العمل في اطار "المقاومة المدنية الشاملة" التي كانت قائمة ضد الهيمنة السورية.
يقول مناصرو قوى "14 آذار" ان الحزبيين يشكلون جزءاً اساسياً من تاريخ زحلة وحاضرها، خصوصاً عندما اندفعوا الى محاور القتال في "حرب السنتين" للتصدي لهجمات التنظيمات الفلسطينية المسلحة، وسقط المئات منهم "شهداء" في الدفاع عنها. ولاحقاً عندما حاولت الاحزاب خرق الحصار الذي فرضته القوات السورية على المدينة عام 1981 كانت الموقعة الشهيرة وسقط المزيد من المحازبين ضحايا وجرحى ومعوقين، فهل اصبحوا اليوم غرباء عنها ولا حق لهم في اختيار من يمثل المدينة؟". ويتذكر وزير السياحة ايلي ماروني المرشح للمقعد الماروني في زحلة ايام الاضطهاد السورية ويروي انه "خلال التحضير للانتخابات البلدية عام 2004 عقد اجتماع في منزل رئيس بلدية زحلة شارك فيه النائب ايلي سكاف وممثلون للكتائب و"القوات اللبنانية"، وبعد ساعات اربع من الحوار انبرى النائب سكاف ليقول لممثلي الحزبين: "لا نستطيع ان نأخذ حزبيين في البلدية لأنكم تشكلون حساسية لدى جيراننا السنة الذين سيمتنعون عن زيارة اسواق المدينة ومؤسساتها الاقتصادية، عالجوا اوضاعكم وفي المستقبل نرى". ويعلق الوزير ماروني على تلك الحادثة بالقول ان أحزاب الكتائب و"القوات" والاحرار كسرت حاجز الخوف والطائفية وانفتحت على كل جيران زحلة السنة والشيعة والدروز، وتجاوزت كل العصبيات ضناً بالوحدة الوطنية من اجل خير زحلة ولبنان، فلماذا اثارة النعرات الطائفية؟ أمن اجل كرسي نيابة يدمرون بلادهم؟ وهل ان الدفاع عن المسيحيين واستعادة حقوقهم يكون باثارة النعرات؟".
تجاوز الماضي
نجحت "الاحزاب المسيحية المقاتلة"، اذا جاز التعبير الذي وضعه جهاد الزين، في تجاوز الماضي، وتمكنت بفضل مفاعيل "ثورة الارز" من بناء تواصل واسع مع محيط زحلة السني والشيعي الممتد على تخومها جنوباً وشمالاً. ويفاخر الكتائبيون و"القواتيون" بأنهم كانوا "رجالاً في الدفاع عن زحلة، ورجالاً في مد جسور الوحدة الوطنية والتفاهم الذي يسمو على كل النزاعات الطائفية والتحريض المذهبي المدمر الذي يتوسله بعضهم لإثبات حضورهم".
يتمسك مناصرو قوى 14 آذار بأنهم لم يقوموا الا بكل خير للمدينة وجوارها، ويقولون انهم لم يوزعوا السلاح ولم يتعرضوا للمؤسسات العامة والخاصة ولم يشعلوا اطارات ولم يرموا وردة على عابر سبيل، وحاولوا مساعدة المواطنين وتأمين ما استطاعوا من خدمات لهم على رغم سياسة التعطيل وضرب المؤسسات. ويعقب الوزير ماروني: "لم تتعاط قوى 14 آذار والبقاعيين الا بالاحترام والتقدير وليرفع اصبعه اي شخص تعرض لأدنى اشكال او ازعاج من الكتائب او القوات". ويضيف: "كادت سياسة قوى 8 آذار ان تعرض زحلة ومنطقتها لمشروع مذابح طائفية ومذهبية، ولولا حكمة الكتائب واصرارنا على السلم الاهلي لكانت الامور اليوم اسوأ بكثير".
واستطاعت قوى 14 آذار، بحسب انصارها، ان تقدم في ممارستها السياسية في البقاع صورة عن التنوع اللبناني، يصعب معها الفصل مثلاً بين محازبي الكتائب و"القوات"، وخلال الاحتفال الاخير بذكرى "شهداء زحلة" كان افراد العائلة الواحدة يحملون اعلام الحزبين. لكن الاهم استناداً الى دراسة اجريت في زحلة أن غالبية مناصري الكتائب والقوات هم من صفوف الشباب ما يعني الكثير في مستقبل المدينة السياسي وخريطة توزع القوى فيها. وفي رأي الوزير ماروني ان "الاحزاب ساهمت الى حد كبير في اخراج الشباب من وطأة الممارسات الاقطاعية والولاءات العشائرية الموروثة الى اطر العمل الحزبي المؤسساتي والكوادر النظامية"، ويشير الى ان "زحلة لا يمكن ان تبقى خارج اطر التفاعل مع الحداثة والعصرنة في العمل الحزبي، وهي التي اشتهر شبابها بطلب العلم والثقافة والنزوع الى العصرنة، ولذلك كل حديث عن زعامة معينة هو خارج اطار المألوف"، وفي رأيه "ان هناك من يحاول اللعب على وتر الطائفية ليعود متربعاً على كرسيها حتى لو ادى ذلك الى عودة الاحتلال والوصاية".
وتقول اوساط 14 اذار الزحلية انها قطعت شوطاً كبيراً في انجاز لائحتها التي اصبحت شبه جاهزة وتنتظر الاتفاق على بعض "الرتوش" والتفاصيل قبل اعلانها خلال اسبوعين، وتصفها بأنها "لائحة متجانسة ومتماسكة تعبر فعلاً عن تعددية المجتمع الزحلي الطائفية والثقافية والوطنية، وليست لائحة الرأي الواحد والفكر الآحادي الشمولي الذي يقود الى انهيار مشروع الدولة". ويعوّل انصار هذا الرأي على فكرة عمادها ان "زحلة كلها تدين بمبادئ 14 اذار وتأييد سيادة لبنان وحريته ورفض عودة الاحتلال السوري، وان تجربة الاعوام الاربعة الماضية اثبتت إخفاق كل الرهانات الانتحارية وعقمها". ويبرز انصار "14 آذار" استطلاعات رأي تظهر تقارب نسب التأييد بين المتنافسين، ويراهنون على كتلة الناخبين المستقلين "لحسم المعركة لمصلحة خيار الدولة لا الدويلة".