8 و 14 آذار "الأكثر راديكاليّة" في إطار التحالف الإقليميّ لكلّ منهما
حصر "المقاومة في بلد واحد" شرط للتسوية الداخلية
لا يمكن البلد الذي عانى طويلاً من تدخّل إقليميّ وأجنبيّ أن يؤسّس لمناعته واستقراره من دون أن يعمّم ثقافة نابذة لكل تدخّل تقوم به أيّة جهة لبنانية ويستشفّ منه فعل تآمر على دولة أخرى تقوم بينها وبين لبنان علاقات ديبلوماسية، وعلى نظام الحكم القائم في تلك الدولة أو على مصالحها الحيويّة.
وأيّاً كان تشخيص هذه الجهة اللبنانية أو تلك لطبيعة نظام الحكم في هذه الدولة الإقليميّة أو تلك، فإنّه لا يمكن لـ"الإسهام اللبنانيّ" لأي جهة كانت أن يكون "تدخّلياً"، وهذا اعتبار عام ينبغي تكريسه سواء تعلّق الموضوع بدعم جهة لبنانية أو لبنان ككل لقضايا قومية أو إنسانية محقّة في المنطقة، أو بدعم جهة لبنانية أو لبنان ككل للتطوير الديموقراطيّ على صعيد المنطقة. ليسَ لبنان "اقليماً – قاعدة" لا لتصدير "الثورة الأصوليّة" ولا لتصدير "الثورة الممانعاتية" كما ليس لبنان "اقليمياً قاعدة" لتصدير "الثورة الديموقراطية".
وفي الوقت نفسه، ليس لبنان جزيرة معزولة، بل هو يؤثّر ويتأثّر بمحيطه، ومهمّة أبنائه أن يرتدّ تأثيرهم الإقليميّ إيجاباً على وطنهم وسلامته واستقراره ومنعته، وأن يكون تأثّرهم بمناخات التنابذ والتقارب الإقليميّة وبسياسات المحاور مرتبطاَ بالحفاظ على الشخصية اللبنانية الثقافيّة الرافضة من حيث المبدأ لمنطق "استيراد وتصدير الثورات"، أيّاً كان نوعها هذه الثورات.
والحراك الديموقراطيّ اللبنانيّ، وإن كان معنياً بتقديم النموذج الذي يمكن أن يستلهمه أحرار العرب، فإنّه ليس معنياً أبداً لا بترويج أي دعوة "تطبيقية" أو "تصديريّة" لهذا النموذج. فأوّل حماية يقدّمها الحراك الديموقراطيّ اللبنانيّ لنفسه هو أن ينبذ تماماً أي منحى "تدخّلي" من هذا النوع.
إنّ شرط استقرار وازدهار الديموقراطية اللبنانية أن تكون "نموذجية مثالية" وليس "نموذجية تطبيقية" أو "نموذجية تصديرية" بالنسبة إلى العالم العربيّ. وما يصحّ على الديموقراطية اللبنانيّة يصح أكثر على التقاليد اللبنانية في حمل لواء القضايا القوميّة، إذ يخسر أيّ نموذج لبنانيّ للمقاومة رصيده العربيّ تماماً ما أن يحاول فرض نفسه كـ"نموذج تصديريّ تطبيقيّ".
وإذا كان من تسوية لبنانية تاريخية لا تزال ممكنة فعلى هذا الأساس: وعي الحركة الإستقلالية لقيمة وحدود الديموقراطية اللبنانية كديموقراطية في بلد عربيّ واحد غير معدّة للتصدير وإنّما للإلهام، ووعي الحركة الممانعة لقيمة وحدود المقاومة اللبنانية كمقاومة في بلد عربيّ واحد غير معدّة للتصدير وإنّما للإلهام.
يمكن أن تكون 8 آذار جزءاً من تحالف إقليميّ، ويمكن أن تكون 14 آذار جزءاً من تحالف إقليميّ مضاد، لكن ليس ثمّة 8 آذار إقليميّة، ذلك أنّ النظامين الممانعين الرئيسيين إيران وسوريا يفاوضان ولا يقاومان، كما ليس ثمّة 14 آذار إقليميّة، ذلك أن انتساب 14 آذار إلى الإعتدال العربيّ شيء، وإنتسابها إلى المشروع الديموقراطيّ العالميّ شيء آخر تماماً.
معنى ذلك أنّ 8 آذار هي الأكثر راديكاليّة في التحالف الإقليميّ الذي تنضوي في إطاره، كما أنّ 14 آذار هي الأكثر راديكاليّة في التحالف الإقليميّ الذي يسندها. وهذه الراديكالية، من الجهتين، يمكن أن تتحوّل إلى نعمة في حال جرى الإمتناع عن التدخّل التصديريّ للديموقراطيّة أو للمقاومة، ويمكن أن تتحوّل إلى راديكالية مُجهِضة سلفاً لأي تسوية لبنانية في حال استمرّت الذهنية التدخّلية التصديريّة للثورة، الموجودة أساساً اليوم عند 8 آذار، وبالتحديد أكثر عند "حزب الله".
يحلّ اللبنانيّون أزمتهم الكيانيّة والأهلية إذا ما حصروا ديموقراطيتهم في بلد واحد ومقاومتهم في بلد واحد، وهذه هي الترجمة النظرية والعملية الوحيدة للشعار الذي طرحته 14 آذار في برنامجها الإنتخابيّ بالدعوة إلى مزاوجة انجازي الإستقلال والتحرير.
وطالما أنّ الديموقراطية اللبنانيّة هي ديموقراطية في بلد واحد فإنّ الدعوات الشعبويّة المذهبيّة لتجاوز الشكل الطائفيّ للدولة اللبنانية هي دعوات لرمي الطفل مع مياه الغسيل، فهذا الشكل الطائفيّ هو الذي يحمي وجود الديموقراطيّة اللبنانيّة ولو ضيّق كثيراً على قنواتها التنافسية والتقريريّة والتداوليّة والتحكيميّة، وأيّ تعريض بالحماية الطائفية للديموقراطيّة اللبنانيّة هو تعريض لها وللكيان اللبنانيّ، وضرب لقدرة هذه الديموقراطية وهذا الكيان على انتاج مؤثّرات من شأنها إلهام أحرار المنطقة.