حيط
لفتني خبر بسيط بالأمس يا اخوان، يفيد بأن حيطاً كان موجوداً فوق جسر يربط بين الحدود اللبنانية والسورية في منطقة الشمال، جرى هدمه في حضور مسؤولين من البلدين.
واقع الحال، أنني فوجئت تماماً بتاتاً بالخبر ككل، أولاً لأن هناك حيطاً ما بين لبنان وسوريا، وثانياً لأنه هُدم. علماً أن طوله لا يتعدى الأمتار القليلة، ولم يشكل يوماً أي سدّ، من أي نوع كان، في وجه التواصل المتبادل على مستوى التهريب، كما أنه لم يشكل أي سد في وجه "الصادرات" السورية المتنوعة الى الأراضي اللبنانية، من السلاح الى حامليه أياً كانت جنسياتهم.
طبعاً نحن نتحدث عن مرحلة سابقة بالنسبة الى المنطقة الشمالية تحديداً كانت فيها الحيطان السياسية والعسكرية بين الطرفين مدمرة بفعل جهد وقرار من طرف واحد، وكانت فيها الحرمات الخاصة بالسيادة الوطنية اللبنانية مستباحة، ومهيضة الجناح، و"لازقة" بالأرض تماماً. غير أن الواقع تغير أو هكذا يُفترض مبدئياً. وتجري محاولات دؤوبة بإشراف مباشر من الأمم المتحدة، لإنهاء الحالات التي لا تزال تعيق ضبط الحدود بين البلدين، مثلما يحصل بين أي بلدين جارين.
لكن الحيط المذكور، (إذا لاحظتم) كان موجوداً خلال الفترة السابقة الآنفة الذكر. وبالتالي يبقى الكلام عليه في مكانه لجهة الاستثناء والاستغراب وما شابه… الحيط كان موجوداً والحدود سائبة، يُهدم اليوم فيما الحدود تُضبط.
غير أنه خارج الحيز الجغرافي الشمالي، لا تزال معضلة الحدود عصية على كل معالجة، لم تنفع في ضبطها قرارات اتخذت بالإجماع (شرط سوري حديث) في مؤتمر الحوار الوطني، ولا رغبة الحكومة، ولا زيارة ومحادثات رئيس الجمهورية، ولا قرارات الأمم المتحدة، ولا يبدو أن شيئاً آخر سينفع طالما أن القيادة السورية مصرّة على استبدال الحيط بين البلدين، بحيط آخر يمنع السلطة اللبنانية من إكمال بسط نفوذها وسيطرتها على أرضها في قوسايا ومثيلاتها، ويمنع الدولة اللبنانية من إكمال وظائفها الرعائية الخاصة برعاياها، ويحجب عن الدولة اللبنانية وظيفة أساسية من وظائفها هي ضبط أمنها ومنع أي كان، خصوصاً المقيمين غير الوطنيين، من إقامة شبكات أمنية بالطول والعرض وأينما تيسّر الحال… حيط يمنع احتكار الدولة اللبنانية لشؤونها وشجونها، ومتابعتها وحدها (مثلاً) السهر على حسن سير العملية الانتخابية ضمن الأصول والقوانين المرعية الإجراء، حيث هناك كما يعرف الكثيرون، مكتباً خاصاً في دمشق، يتابع تفاصيل تفاصيل تفاصيل المسار الخاص بهذه العملية من أولها الى آخرها، ويتدخل ويعطي توجيهاته لبعض المرشحين اللبنانيين الى الانتخابات التشريعية اللبنانية.
إنه حيط مصبوب من اسمنت الرؤى السورية المستدامة للكيان الوطني اللبناني، ومن حجارة "تراث" من الممارسات النافية للسلطة واقتدارها وأحاديتها… وُضعت أساساته في الأصل، تحت عنوان المساعدة الاخوية على إطفاء الحرب، ثم بُني ودُعم تحت عناوين عدة مثل "شعب واحد في دولتين" و"أمن لبنان من أمن سوريا".. وصولاًَ الى الوصاية ومشتقاتها في العسكر والسياسة والاقتصاد والنواحي الأمنية على تشعبها وتعدد رموزها وممارساتها.
… يُهدم هذا النوع من الحيطان في مكانه الأساسي، أو لا شيء آخر ينفع لمعالجة واقع العلاقات الغريبة بين الدولتين. والحاصل حتى إشعار آخر، أن شيئاً ملموساً من عِدّة الهدم تلك لم يُشاهد تماماً بعد، في أي قضية مركزية تخص لبنان وسيادته ودولته وقضاياه الكبيرة!.