#adsense

13 نيسان: عندما قاتلنا مع الغرباء ضد لبنان

حجم الخط

13 نيسان: عندما قاتلنا مع الغرباء ضد لبنان

لا يمكن ان نبني لبنان من دون تنقية الذاكرة واجراء نقد ذاتي داخل كل حزب او طائفة شاركت في الحرب اللبنانية لا لجلد الذات وانما لاخذ العبر والدروس من اجل المستقبل. وما يدفعني الى قول ذلك سؤال سمعته من احد المواطنين البيروتيين تساءل امامي كيف دخل زعماء الطائفة السنية في لبنان الحرب الى جانب الفلسطينيين ووقفوا الى جانبهم وغطّوا تجاوزاتهم من دون ان يدركوا ان استعار الحرب في لبنان وفي بيروت خصوصاً سيدمّر مدينتهم، وبالتالي سيدمر اماكن سكنهم ومحال رزقهم في الوسط التجاري حيث الاكثرية الساحقة من التجار البيارتة وحيث مورد رزقهم الوحيد؟

كيف يضحي السنة بكل المكتسبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حققوها منذ الاستقلال لمصلحة مسلحين فلسطينيين ارادوا تجاوز الدولة والقوانين وبناء دولتهم ضمن الدولة؟ وهل وصلت بنا العاطفة الجياشة والغرائز الطائفية الى تبني هؤلاء المسلحين من كل حدب وصوب وترك التعاون والجلوس مع ابناء وطننا اللبنانيين لا لسبب الا لانهم كانوا ينادون بسيادة لبنان وحريته واستقلاله ولا سلاح سوى سلاح الدولة والجيش والشرعية؟ اذا كانت هذه الشعارات تستحق منا ان نحاربها عام 1975 لانها بكل بساطة تتعارض والسلاح الفلسطيني، ألسنا نحن اليوم المسلمين السنة في لبنان، وخصوصاً اهل بيروت هم رأس الحربة في رفع شعار "لبنان اولاً" والسيادة والحرية والاستقلال وسحب السلاح غير الشرعي من داخل المخيمات والمعسكرات الفلسطينية وخارجها؟ هل كنا نحتاج الى هذا الدرس القاسي الدامي الذي دفعنا ثمنه غالياً من كرامتنا واملاكنا وشهدائنا واعراضنا على يد الفلسطيني عندما بنى دولته ضمن الدولة فوقف الشرطي الفلسطيني عند مستديرة الكولا ينظم السير وفتح المخافر في الفاكهاني وطريق الجديدة وصبرا وغيرها ونشر مسلحيه في الشوارع البيروتية بحيث فاقت تجاوزاته كل عقل ومنطق. فهذا الغريب المسلح الذي جاء الى لبنان من العراق واليمن ومصر والاردن وموريتانيا والمغرب تحت شعار الثورة تحول في لبنان الى طاغية اذلّ اول من اذلّ اهل بيروت والطائفة السنية التي وقفت بمشايخها وعلمائها ورجال الساسة فيها الى جانبهم. وقاتل ابناء بيروت مع هؤلاء المسلحين في محاور وسط بيروت والفنادق وخط الشام وكان بنتيجة القتال ان دُمّر الوسط التجاري تدميراً كاملاً كرمى لعيونهم ومن اجل بناء قوتهم العسكرية من بيروت الى العرقوب التي استحلت دماء اللبنانيين من دون تمييز بين من وقف معها ومن وقف ضدها فاحتلوا بنايات اهل بيروت والشقق السكنية وحوّلوا العاصمة مزرعة كبيرة ينشرون في شوارعها الرعب والدمار، فكانت بيروت في الفترة بين 1975 و1982 مرتعا لكل جماعات الارهاب اليساري في العالم احتضنتها بحماية من اولئك المسلحين الذين لم تكن لترتاح بيروت منهم لولا ان الظروف التي خلقوها بأيديهم والتطورات السياسية والامنية المتلاحقة ادت الى خروجهم من لبنان الى حيث اتوا. وكان قمة الجهل اننا ذرفنا الدموع لرحيلهم بدل الفرح والتهليل.

ما كادت بيروت لترتاح قليلاً من تعسف المسلح الفلسطيني حتى اتى دور المسلح السوري الذي فاق بارهابه لاهل بيروت وللطائفة السنية كل تصور ومجال. فقتل واغتال ودمّر واعتقل ولم يترك احداً من شرّه وعاشت بيروت سنوات رعب حقيقي على ايدي الجلادين والمرتزقة والخونة والواشين وكتبة التقارير. وغاب لبنان وغابت بيروت واندثرت الحياة فيها فغيّروا كل شيء حتى الليل والنهار فاستباحوا كل محرّم ولم يقفوا الا عند مصالحهم وانانياتهم وغرور بطشهم فسحقت بيروت وسحق اهلها.

هل يستطيع بيروت او سني واحد ان يقول ان كلامي هذا غير صحيح؟ اسألوا الشيخ احمد عساف والشيخ صبحي الصالح والمفتي حسن خالد والنائب ناظم القادري والمستشار محمد شقير والعشرات والمئات ممن اختفوا ولم يعودوا.

قد يقول قائل لماذا نبش الماضي خصوصاً وان الفلسطيني ذهب الى بلاده يخلّص شوكه بيديه، وان السوري خرج ولم ولن يعود الى غير رجعة، والدولة اللبنانية تسير نحو المستقبل وان بخطى بطيئة، فلماذا استذكار كل الماضي الا يجب التطلع الى المستقبل؟ الجواب نعم، ولكن استذكار الماضي في ذكرى 13 نيسان هي كي نتعلم منه ان لا وطن لنا نحن المسلمين السنة الا لبنان. فالفلسطيني الذي شددنا ازره وظننا لوهلة انه معنا ضد اخينا اللبناني الآخر، لم يكن الا مع نفسه ويستغلنا لمصلحته حيث ما لبث ان قهرنا عندما قويت شوكته، والسوري الذي كنا نهدد دائماً بالاتكال عليه كونه الامتداد العربي وكانت طرابلس تهدد في كل مرة بالانفصال عن لبنان للعودة الى سوريا، وكنا نعتبر في يوم من الايام ان التدخل السوري سيكون حتماً في مصلحتنا، وجدنا ان كل تفكيرنا وتقويمنا السياسي المبني على السذاجة والغرائزية الطائفية او القومية ما هي الا اوهام وسراب وكل شعب او دولة، انما لا ينفّذ الا اجندته ومصلحته وقد تمكنوا من استغلالنا لمحاربة اللبناني الآخر، وبعدما تعبنا نحن الاثنين من قتال بعضنا، احتلوا لبنان بأسره وها هم اليوم يندمون لانهم خسروه وكأنه كان ربحاً لهم، وكأنه ليس دولة او كياناً مستقلاً.

لو لم يكن هناك تاريخ مشرف للبنان اسمه 14 آذار حيث عاد لبنان الى استقلاله ووحدته مسلمين ومسيحيين يداً بيد ضد الغرباء، اياً تكن هويتهم، لكن الحزن اكبر في كل مرة تأتي ذكرى 13 نيسان، واذا كانت 14 آذار تعني الاستقلال والحرية، الا انها تعني ايضاً قبل ذلك عودة الوعي والعقل الى المسلمين السنّة، وتعني ان هذه الطائفة بلغت سن الرشد وان لا عودة اطلاقاً الى العواطف والغرائز والتطلع خلف الحدود. فوطننا هو لبنان وثورتنا هي ثورة الارز، والرابع عشر من آذار نسف كل ما قبله ولبنان الذي اراده الشهيد رفيق الحريري سيبقى اولاً رغماً عن كل كاره.

المصدر:
النهار

خبر عاجل