قراءة في أعداد المرشّحين: سلطة السنّة وإقطاع الدروز وما بينهما…
جان عزيز
معبّرة جداً دلالات أرقام المرشحين إلى الانتخابات النيابية المقبلة في 7 حزيران. فثمّة قراءة كاملة لدينامية المذاهب والجماعات، مخبّأة بين أعدادهم، وثمّة عرض ممكن لكل الاجتماع السياسي اللبناني المعقّد والمتشابك، من خلال مَن ترشّح، وكم ترشّح، وأين؟ 700 مرشح ومرشح، هم حصيلة الإقفال الشهير والمسرحي لباب الترشيحات الثلاثاء الفائت. كيف توزّعوا أولاً على المذاهب. إحصاء سريع يظهر الآتي:
3 مرشحين إنجيليّين، على مقعد واحد يعود إلى مذهبهم. 3 مرشحين أقليات، لمقعد واحد أيضاً. 5 مرشحين أرمن كاثوليك، لمقعد واحد. 14 مرشحاً علوياً، يتنافسون على مقعدين اثنين. 20 مرشحاً أرمن أرثوذكس، على خمسة مقاعد. 24 مرشحاً درزياً، لهم ثمانية مقاعد. 46 مرشحاً روم كاثوليك، لثمانية مقاعد أيضاً. 71 مرشحاً روم أرثوذكس، على 14 مقعداً. 145 مرشحاً شيعياً، على 27 مقعداً. 174 مرشحاً مارونياً، لهم 34 مقعداً. 196 مرشحاً سنياً، على 27 مقعداً.
وبمعزل عن نسب الديموغرافيا، والاكتفاء بنسبة عدد المرشحين إلى كل مقعد، يمكن إعطاء الترتيب الآتي:
السنّة، معدل ترشيحهم: 7.2 مرشحاً لكل مقعد. العلويون، في المرتبة الثانية الملاصقة مع معدل 7 مرشحين لكل مقعد. بعدهما تأتي مجموعة كبيرة من المذاهب، بمعدلات متقاربة: كاثوليك 5،7، شيعة 5،3، موارنة 5،1، روم أرثوذكس وأرمن كاثوليك 5 وأرمن أرثوذكس 4. لتحل في المرتبة الأخيرة ثلاثة مذاهب بالتساوي، مع معدل 3 مرشحين فقط للمقعد الواحد، وهي: الإنجيليون، الأقليات والدروز.
هكذا، واستناداً إلى هذا الإحصاء الأوّلي، يمكن الإشارة إلى دينامية سياسية مرتفعة نسبياً لدى كل من السنّة والعلويين. وهو أمر مفهوم إلى حد كبير. فدوافعه في الوسط السني تتمثّل في صحوة «انتصار» ما بعد عام 2005، والوجود في السلطة ومحاولة الحفاظ عليها. فيما أسبابه العلوية قد تكون مناقضة تماماً: الإحساس بالانكسار، وسلب التمثيل العلوي من وسطه، في مقعديه الأقليّين، في طرابلس وعكار.
وفي المقابل أيضاً، تفهم هذه الدينامية المتوسطة والمتقاربة، لدى جماعات متشابهة في صورتها السياسية لدى ذاتها. مثل الموارنة والشيعة والأرثوذكس والكاثوليك والأرمن بمذهبيهما.
أما الدرجة الدنيا من الدينامية الانتخابية، والمسجلة لدى الأقليات والإنجيليين والدروز، فدلالاتها ليست أقل تعبيراً، ذلك أن الجماعتين الأولى والثانية باتتا نظراً إلى ضمورهما الديموغرافي وتهميشهما التمثيلي، شبه مغيّبتين على الحراك السياسي اللبناني. وما كان ينقص لمواتهما نيابياً أكمله الفريق الحريري في الدوحة، حين أغرق المقعد الوحيد لكل من الإنجيليين والأقليات في البحر السني الجارف في دائرة بيروت الثالثة. أما المعدل الدرزي المساوي في التدني، فيعود إلى أسباب أخرى معروفة أيضاً، ويختصرها استمرار السيطرة الإقطاعية على هذه الجماعة بكل تلاوينها وانتشارها الجغرافي. ومن طبيعة السلطة الإقطاعية أن تئد الدينامية المجتمعيّة، وتختنق في شكل عفوي، آليات فرز النخب الجديدة.
وإذا ما دقّقنا أكثر في النتائج الممكن استخلاصها من الأرقام، نجد المغازي نفسها في الدوائر الصغرى من التحليل الرقمي. فالمقعد الأكثر تنافساً مثلاً، في كل لبنان، هو المقعد السني في دائرة زحلة. إذ ترشّح عنه 22 مرشحاً، ليحل ثانياً المقعد السني أيضاً، لكن في المنية ـــــ الضنية، حيث ترشّح عن 3 مقاعد سنية 40 مرشحاً، وليحل ثالثاً المقعد السني أيضاً وأيضاً في البقاع الغربي وعكار مع 9 مرشحين لكل مقعد.
أما المراتب الأخيرة، فتسجّلها المقاعد الدرزية، إذا ما استثنينا تزكية المقعد الأرمني الأرثوذكسي في المتن، والحاصلة لأسباب سياسية أكثر منها مذهبية. فنجد مرشحَين درزيّين اثنين عن مقعد البقاع الغربي، ومثلهما في مرجعيون حاصبيا، و3 مرشحين لمقعدين في عاليه، و5 لمقعدين في الشوف، و3 لمقعد بيروت.
ولا يشذّ عن هذه القاعدة إلا المقعد الدرزي في بعبدا، حيث 9 مرشحين. وهي إشارة إلى ظاهرة مختلفة، عنوانها ارتفاع الدينامية في المناطق المختلطة. وهي ظاهرة موجودة أيضاً عند الشيعة، مقارنةً بين الجنوب وخارجه. ففيما تتدرّج النسبة في دوائر الجنوب بين 3 مرشحين و4، ترتفع في بعلبك وزحلة لتصل ذروتها في جبيل مع 13 مرشحاً شيعياً لمقعد واحد.
الخلاصة؟ وحدها الديموقراطية تحرّك الجماعات، ووحده التنوّع ضمن الوطن يزيد من حيويتها.