#adsense

الذكرى الـ 34 لحرب الـ 75: شهادة وألمٌ… وبعض أمل

حجم الخط

الذكرى الـ 34 لحرب الـ 75: شهادة وألمٌ… وبعض أمل

قبل اربعة وثلاثين عاماً، في 13 نيسان كانت الشرارة التي أشعلت حرباً في لبنان، حصدت بحسب أرقام عايشناها في تلك المرحلة، نحو مئة الف قتيل/ شهيد، وربع مليون جريح، وشهدت معارك طاحنة واجتياحات وحشية، واعمالاً انتقامية اختلطت فيها العوامل الطائفية بالسياسية، والداخلية بالخارجية والعقائدية بالشخصية والمالية بالنضالية وشملت العاصمة بيروت ونسبة كبيرة من مدن الأطراف شمالاً وجنوباً وبقاعاً وجبلاً، ونسبة أكبر من القرى والدساكر، وتغلغلت نيرانها بين الأهل والجيران والأصدقاء وزملاء اللعب والمدرسة وعابري السبيل وظهرت فيها وحوش الغرائز، فلم يوفر احدٌ احداً، ولم يتأخر هذا الفريق أو ذاك عن اختراع الذرائع، وأدلجتها، وصياغتها في منظومة فكر وسياسة وتقديمها الى الرأي العام عند كل جماعة، على انها الحق والصواب، أما المراجعات النقدية فلم تحصل وما حصل منها لاحقاً كان محدوداً جداً وسطحياً جداً واتى متأخراً على كل حال بعدما كانت انهار الدماء قد هدرت في كل مناطق لبنان.

صحيح ان الشرارة التي نتحدث عنها كانت في عين الرمانة بما أصبح مشهوراً في ما بعد باسم "بوسطة عين الرمانى" التي كانت تعبر المنطقة المذكورة فتعرض ركابها الفلسطينيون لاطقال نار أودى بحياة مجموعة كبيرة منهم، ولم تتوقف المعارك منذ تلك الليلة في 13 نيسان 1975 حتى اتفاق الطائف عام 1989 وبدايات العام 1990 ولكن الصحيح ايضاً ان الشرارة لم تكن أكبر من مناسبة، أو لم تكن أكثر من سبب مباشر اما الأسباب غير المباشرة فكانت تتراكم في لبنان، وبشكل كثيف منذ مطلع السبعينات وهذا التراكم كان قد بدأ يأخذ وتيرة تصاعدية سريعة بعد الهزيمة العربية في العام 1967، وكانت الساحة اللبنانية مرآة عاكسة للتطورات الهائلة التي حصلت في المنطقة، مثلما هي في الأصل ـ اي الساحةاللبنانية ـ مثقلة بالصراعات الحادة حول كل شيء في الحياة العامة: هوية لبنان ـ تاريخ لبنان ـ طبيعة النظام السياسي الطائفية ـ القضايا الاقتصادية والمعيشية ـ التحالف الطبقي / المالي بين القوى الطائفية (التقليدية منها والحديثة) والقوى الرأسمالية ـ القضية الفلسطينية والقضايا العربية عموماً ـ علاقات لبنان الخارجية مع المعسكر الغربي من جهة، ومع المعسكر الشرقي من جهة أخرى ـ … وغيرها… كل ذلك اشتغل دفعة واحدة، وتفجرت كوامنه دفعة واحدة، فوجدنا انفسنا في حرب في الداخل بات يسيطر عليها الخارج، وفشلت كل محاولات آنذاك (هيئة الحوار الوطني مثلاُ في مرحلة السنتين الأوليين من الحرب) وظلت تفشل الى ان تقاطعت المصالح الاقليمية ـ الدولية عند نقطة اتفاق الطائف الذي أوقف المعارك ولم يوقف الحرب، وأعاد انتاج الصيغة الطائفية، ولم ينتج صيغة وطنية، فبقي السلم الاهلي ـ كما نراه الآن ـ معرضاَ للانتكاسات الدموية، وبقي لبنان بلا مفهوم للوطن، وبلا مفهوم للمواطنة، وبلا دولة فعلاً، وبقي شعار الاصلاح لعبة لفظية، ولم يتحول حتى اللحظة الراهنة الى برنامج عملي تنفيذي بالرغم من النص عليه بوضوح في وثيفة الوفاق الوطني التي اصبحت جزءاً من الدستور بعد تعديلات 1990، بل انه بلا مبالغة قد دفن دفناً عميقاً في صفحة من صفحات الطائف الكثيرة وبات يحتاج الى قيامة جديدة كي يبصر النور ويحيا.

لقد كنت في سن الثامنة عشرة عندما اندلعت الحرب في العام 1975، فقد عشتها بكل ما تعني هذه الكلمة: معاركها، أهوالها، بشاعتها، خطابها السياسي، انزلاقاتها الطائفية ثم آفاقها المسدودة، وأوراقها المحروقة، ونارها التي احرقت الجميع ولم تستثن احداً… كنت بين صفوف كثيرة من حركة اليسار الواسعة، واعترف انني في تلك المرحلة كنت اظن اننا نستطيع بقوة "العمل الثوري" وبالسلاح، وبالتغلب على الأخ اليميني الطائفي، ـ نستطيع ـ ان نحقق التغيير في لبنان نحو مجتمع مدني علماني، ونحو دولة حديثة قادرة وسيدة ومستقلة ونستطيع أيضاً ان نصل الى احلامنا في تحقيق العدالة الاجتماعية مادمنا نقاتل ونفرض معادلات عسكرية / سياسية على الارض، ولكن بعد سنوات من التجربة بدأت ذاكرتي تصبح مثقلة بالمشاهد الانسانية الجارحة، وأخذت تتغير عندي الأسئلة فتتغير الأجوبة.

لا ندّعي في هذه المقالة الموجزة بأننا نؤرّخ للحرب، فهذا موضوع آخر لا مجال له هنا، ولكننا نستذكرها لكي نكرّر الدعوة الى قراءة الوضع اللبناني قراءة موضوعية دقيقة حتى لو اختلفت الآراء والمواقف، بل من الطبيعي أن تكون متنوّعة ومختلفة ومتناقضة، ولكن القراءة الموضوعية ضرورية في كل الأحوال، ذلك أن التهرّب من الحديث عن الحرب، ومن مناقشة تجاربها، أو اللجوء الى تبريرها، من قبل هذه الجهة أو تلك لن يؤدّي الى شيء سوى إعادة إنتاج الحرب بأساليب جديدة.

لا بد من الحديث عن الحرب في ضوء منهج المراجعة النقدية ولا سيما امام الأجيال الناشئة التي يزداد ميلها ـ للأسف الشديد ـ الى الانزلاق نحو العنف، ونحوالتعصب الطائفي ونحو التعصب السياسي الذي يقف حائلاً دون الحوار اليومي الهادئ بين الناس. لقد باتت هذه الاشكال الثلاثة من الميول عند شرائح الشباب تشكل ظاهرة واسعة وان تكن هناك نسبة قليلة من هذه الشرائح تنأى بنفسها عن هذه الميول وتطالب بحوار وطني حقيقي، وسياسي حقيقي وبمجتمع مدني وبدولة حديثة تعبر عن فكرة الوطن والمواطَنة بدلاً من الطائفية والطائفية وتحتضن الجميع.
علينا، بقدر ما تتسع هذه المقالة ان نقدم شهادة بما استخلصناه بعد مرور هذه السنوات الطويلة من التجارب، ولذا نختار ما نتصوره من نقاط بارزة هي الآتية:

اولاً: ان علة العلل التي أبقت لبنان كياناً بل دكاناً بدلاً من ترسخ فكرة الوطن، هي الطائفية بكل اساليبها وتعبيراتها فهي التي فتحت أبواب النار وهي التي سمحت بالتدخلات الخارجية، وهي التي استفاد منها العدو الاسرائيلي دائماً، ولا سيما في الاجتياحين الكبيرين اللذين نفذهما عام 1978 وعام 1982 فضلاً عن الاعتداءات الأخرى، وهي التي ما زالت تؤدي دور القابلة القانونية لتوليد مزيد من التخلف السياسي. ولهذا، فلا أمل في التخلص من احتمالات حروب جديدة الا بالتخلص من الطائفية عبر اصلاح سياسي حقيقي يبدأ بقانون الانتخاب ولعل التجربة التي نعيشها الآن من خلال العودة الى قانون الستين للانتخابات تؤكد صحة ما نذهب اليه وبخاصة عندما نرى كيف ان هذا القانون جعل كل طائفة تتقوقع على نفسها وزاد من الغلواء الطائفية في الانتخابات.

ثانياً: إن التعيير نحو بناء مجتمع مدني ديموقراطي متحرر من سرطان الطائفية وأورامه الكثيرة هوضرورة ملحة في لبنان، ولكن استخدام القوة لتحقيق التغيير اثبت فشله الذريع، بل هو اعطى فرصة جديدة لانتشار الطائفية.
ثالثاً: ان المجتمع اللبناني المعقد طائفياً ومذهبياً لا يحتمل استخدام القوة من اجل التغيير وعلينا ان نعترف جميعاً بهذه الحقيقة.
رابعاً: ان السلام الأهلي في هذا المجتمع الذي ما زال طائفياً يجب ان يكون التزاماُ سياسياً عند الجميع كي يتحول مستقبلاً الى سلام وطني، ومن هنا ينبغي التشديد دوماً على رفض الحرب والعنف والقوة والدعوة المستمرة الى تطوير الخطاب السياسي باتجاه الحوار وقبول الآخر قبولاً رضائياً عميقاً.

خامساً: ان جميع القوى التي شاركت في الحرب، بمعزل عن رأيها في نفسها، وعن تبريراتها لم تقدم حتى هذه اللحظة مراجعة نقدية علنية امام اللبنانيين، وهذا ما يجب ان تطالب به الحركات الشبابية فالحرب قد حصلت وكانت لها اسبابها الداخلية والخارجية وكانت فيها مختلف المظاهر العنفية فلا يجوز التهرب من ادانتها، بل يجب الاقدام على ذلك، من اجل المساهمة في تأسيس ثقافة مدنية سياسية تجعل من الحوار اساساً للعمل السياسي القائم على التنوع ضمن الوحدة الوطنية والانسانية.

سادساً: اثبتت التجربة منذ 1943 حتى اليوم استحالة ان تمسك طائفة واحدة بمصير البلد، واذا كانت تجربة "المارونية السياسية" هي اولى التجارب التي فشلت، فان محاولة تكرار هذه التجربة لدى اي طائفة اخرى، سيكون نصيبها الفشل وستؤدي الى حروب جديدة. وهذا بدوره يجب ان يلفت الانتباه مجدداً الى ان المشاركة الوطنية لا تكون بالمحاصصة المنظمة بين الطوائف فمثل هذه المشاركة طريقها مسدود، اما البديل عنها فهو تجاوز الطائفية نحو المشاركة المواطنية المدنية الديموقراطية.

سابعاً: ان اتفاق الطائف، على الرغم من ايجابيته في وقف انهار الدماء الا ان عدم تطبيق البنود الاصلاحية السياسية فيه افقدته امكانية ان يكون مدخلاً الى حل وطني، ولهذا بالضبط ما زلنا بعد عشرين عاماً على هذا الاتفاق نعيش في حالة الخوف الفعلي من احتمالات الحروب في الداخل برعاية الخارج. ولا شك في ان عدم تطبيقه تتحمل مسؤوليته جميع القوى بلا استثناء. ومن هنا، فان الحركات الشبابية عليها ان تأخذ العِبرة من تجربة 1975 فتكافح سلمياً من اجل الشروع في الاصلاح السياسي، وربما عليها ان تعلن شرعة العمل السياسي بعيداً من القوة من اجل تعطيل احتمالات الحرب، فشريحة الشباب ولا سيما الفقراء هي عادة وقود الحرب وادواته.

ثامناً: لقد اثبتت التجارب خلال العقود الستة التي انقضت ان عدم قيام الدولة في لبنان، ساهم الى حد كبير واساسي في الوصول الى ما وصلنا اليه من كوارث، فما شهدناه منذ العام 1943كان قيام سلطات طائفية متحاصصة لا دولة مركزية فاعلة، ولهذا فان على شرائح الشباب ان تلتفت جدياً الى هذه النقطة ذلك ان الدولة المدنية الحديثة القادرة السيدة المستقلة هي حاجة وطنية في لبنان وهي وحدها التي يجب ان تضطلع بالسلطة وتحتكر السلاح وتدافع عن لبنان بوجه العدوان الاسرائيلي والا فمن دون قيام هذه الدولة المدنية سنبقى في حياة الحروب الداخلية سواء اكانت مشتعلة ام كانت ناراً تحت الرماد.

هناك امور كثيرة يمكن ان تكون مثار نقاش في الذكرى الرابعة والثلاثين للحرب التي انطلقت عام 1975 غير ان حدود ما تسمح به مقالة في صحيفة جعلتنا نكتفي بهذه الاشارات العامة ذلك ان التجارب والمشاهد التي رأيناها وهي كثيرة ومعروفة تدفعنا الى تعزيز القناعة برفض العنف بكل اشكاله والعمل على تحويل هذه القناعة الى ثقافة وسلوك والا فاننا نحن الذين اكتوينا بنار الحرب سنرى ابناءنا يكتوون بها لاحقاً وهذا بحد ذاته كارثة زلزالية تستوجب ان يكون تجنبها هدفاً مقدساً عند الجميع.

ان تجنب هذه الكارثة يبدأ بالشروع في الغاء الطائفية وما لم يحصل ذلك فان كل ما نسمعه من اغان وطنية في التصريحات السياسية يكون استمراراً لعملية الكذب والقهر والاستغلال التي دمرت لبنان واللبنانيين ولا سيما فقراء اللبنانيين فالى متى؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل