#adsense

علامة فارقة في المشهد الانتخابي

حجم الخط

علامة فارقة في المشهد الانتخابي

أمر محزن أن تحكم الظروف الانتخابية بأن يخرج من السباق الى الندوة النيابية شخص مثل النائب الدكتور مصطفى علوش. أمر محزن أن لا تعتمد التجربة والكفاية والمناقبية معايير لاختيار المرشحين الى الانتخابات وليس "الزركة" بالحسابات والحساسيات المحلية والشخصية. غير أن ما يمسح الحزن ويعطي نكهة مختلفة للمشهد الانتخابي هو الموقف الراقي للنائب علوش والذي تمثل بإعلانه الخروج من التنافس الانتخابي واستمراره في خدمة القضايا التي آمن بها ضمن أي موقع يختاره تيار المستقبل.

في الواقع، لا أعرف الدكتور مصطفى علوش شخصياً، لكن من حسنات وسائل الإعلام المختلفة تسليط الضوء على الشخصيات السياسية والناشطين في مختلف المجالات. والضوء الإعلامي مهما كان ذكياً وبارعاً من يوجهه أو يديره، فهو في زمن الإعلام الرقمي، السريع والمباشر، لا يستطيع أن يزين أو يخفي أو يحجب الجانب الواقعي أو الوجه الحقيقي لأهل السياسة. فالصورة التي ساهم الضوء الإعلامي في رسمها في أذهان الناس عن الدكتور علوش طوال أربع سنوات، تميزت برقي صاحبها وشجاعته وصدق التزامه، وزاد هذه الصورة رصانة، المقالة التي كان يكتبها من حين الى آخر في جريدة المستقبل، والمتميزة بخلفية كاتبها الثقافية والعلمية.

جاء الموقف الأخير للدكتور علوش ليرسم علامة فارقة، في لحظة تجتاح فيها حمى المقاعد النيابية كثيرين من حديثي النعمة و"الطامحين" الى النيابة من مختلف الطوائف والمذاهب والأحزاب، فتعمي العيون وتخدر العقول متسببة في تراجع المبادئ والقيم الى درجة أن "الاستنجاد" بدماء الشهداء واستحضار القضايا التي ناضلوا واستشهدوا من أجلها، لم يعد يجدي أحياناً كثيرة، في ردع أنانية البعض ووضع حد لحالة الهذيان بالمقاعد والمزيد من الغرق في مستنقع الأمزجة والأنانية وشهوة السلطة.

بموقفه الأخير من الترشح الى الانتخابات والروحية التي تحدث بها عن قرار خروجه من النيابة ودوره المستقبلي، ساهم الدكتور علوش في إبراز صورة مغايرة لما هو سائد في "البازار" الانتخابي، صورة مختلفة للسياسي الملتزم قضايا شعبه ووطنه والحريص على نجاح مشروع تياره السياسي بغض النظر عن موقعه أو مصلحته الشخصية، مظهراً للناس أن في صفوف تيار المستقبل 14 آذار شخصيات لا يهمها المقعد النيابي بقدر القضية التي من أجلها استشهد رفاق وزملاء وأنه ما زال هناك الكثير لتحقيقه، وبوسع الإنسان أن يعمل الكثير من أجل تحقيق ما يؤمن به سواء من داخل المجلس النيابي أو من خارجه.

يبدو أن ظروف المعركة الانتخابية قد أملت على تيار المستقبل أن يضحّي الدكتور علوش رغم تجربته الناجحة، بمقعده النيابي في طرابلس لمصلحة ائتلاف يفيد مشروع 14 آذار، فسارع الرجل الى تلبية النداء، مستعجلاً العمل من أجل إنجاح من حل مكانه في اللائحة، وهذا ما شاهدناه وسمعناه في اليوم التالي لقرار عزوفه، في حفل تكريم أمهات شهداء الجيش والقوى الأمنية، حيث وقف الدكتور علوش متحدثاً عن أبعاد الانتخابات المقبلة وأهميتها، داعياً الناس الى الاقتراع بكثافة لمشروع 14 آذار. فالظروف شاءت أن يخسر الدكتور علوش المقعد النيابي ولكن بسلوكه الراقي وترفعه ربح ما هو أهم وأثمن من المقعد النيابي، احترام الناس وثقة جمهور ساحة الحرية وثورة الأرز في طرابلس والشمال وكل لبنان.

اللافت في الأمر، أن التصرف الراقي والمسؤول للدكتور علوش والذي أعتقد أنه مجرد حالة منعزلة وفردية، لم يكن في الواقع موقفاً يتيماً، فهذا السلوك عاد وتكرر تباعاً مع نواب آخرين في تيار المستقبل مثل النائب مصطفى هاشم والأمين عيتاني ومحمود المراد الذي شدد في بيان عزوفه عن الترشح على قول الرئيس الشهيد الحريري "مش مهم مين بيروح ومين بيجي المهم يبقى الوطن"، معلناً بكل حماسة وضع بيته ومكتبه وعلاقاته في خدمة مرشحي 14 آذار.

في الحقيقة، يؤشر هذا السلوك الجمعي وليس الفردي لهؤلاء النواب، الى ظاهرة جديدة في السياسة اللبنانية اسمها مدرسة رفيق الحريري في الوفاء والالتزام والوطنية والترفع في ممارسة الشأن العام عن الأنانية والمصالح الشخصية، ظاهرة تشكل فعلاً العلامة الفارقة لهذا المشهد الانتخابي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل