نصرالله "يذهب" إلى العنوان الفلسطيني نفياً للاتهامات المصرية لكن "الدعم اللوجستي" يطرح مشكلة "التمدد الأمني"
"حزب الله" يصادم ثلاث شرعيات وطنية دفعة واحدة
أول من أمس، وفي خطابه الذي خصصه للرد على إتهامات القضاء المصري بالتخطيط للقيام بأعمال عدائية ضد الأمن الوطني ـ والقومي ـ لجمهورية مصر العربية، جاهر الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بما كان معروفاً فعلاً، أي بالعلاقة التي تربط الحزب بحركة "حماس" في قطاع غزة، كاشفاً أن اللبناني سامي شهاب المعتقل لدى السلطات المصرية عضو في الحزب ويقوم بدور "ضابط الارتباط" مع "حركة المقاومة الإسلامية" في إطار مهمة وصفها بـ"اللوجيستية" اقتضت تشكيل مجموعة من عشرة أشخاص فقط وليس خمسين شخصاً كما جاء في مطالعة الإتهام. والجدير بالذكر أن المساندة "اللوجيستية" تشمل مروحة من الأعمال من تهريب السلاح ونقله الى المساعدة في "تركيبه" الى المساهمة في تصنيع بعضه الى التحقق من "أمن العملية" من ألفها الى يائها بما يعنيه ذلك من إنفاق مالي على "اختراقات أمنية" داخل الأجهزة الأمنية المصرية وعلى تجنيد ناس ـ مواطنين ـ لتمر العملية بأمان وسلام.
العنوان الفلسطيني: اختراق للشرعية الفلسطينية
إذاً، رد نصرالله على الإتهامات المصرية بـ"الذهاب" الى الموضوع الفلسطيني لـ"تفسير" و"تبرير" أصل تلك الإتهامات، معتقداً أن إشهار عنوان دعم فلسطين من شأنه أن يرد الإتهامات والمتهِمين على أعقابهم وأن يحرج نظام الحكم في مصر الذي ليس فقط لا يدعم الفلسطينيين لكنه يمنع دعمهم!
و"المفارقة" أن نصرالله إنتهى من نفي الإتهامات الى تأكيد أن "حزب الله" لا يتدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد وليس على جدول أعماله أن يعادي أي نظام أو أن يعمل على زعزعته، لأن قضية الحزب الوحيدة هي الصراع مع إسرائيل كما قال.
بيد أن تدقيقاً ـ سريعاً ـ في مضمون خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" حتى من ضمن "الحدود" التي رسمها، يقود الى عدد من الإستنتاجات الرئيسية التي تفيد جميعاً أن عنوان "دعم فلسطين" ـ على طريقة الحزب ـ "كلام حق يُنتج شروراً".
ففي موقفه "الفلسطيني"، أي في موقفه "السياسي" و"العملي" فلسطينياً، لا يقوم "حزب الله" بدعم القضية الفلسطينية عموماً، بل يعرّف تلك القضية ويحدد الخط السياسي الفلسطيني الواجب منها ويعيّن المسار النضالي وأشكال النضال ويتحالف مع أفرقاء فلسطينيين بعينهم ويربط التحالفات في نسق إقليمي محدد. أي أن "حزب الله" ـ يمارس تدخلاً سياسياً وعملياً في "الساحة الفلسطينية" على إمتدادها من الداخل الى مخيمات اللجوء في لبنان. يمارس تدخلاً بالمعنى الذي يفكك "الساحة الفلسطينية" باسم "المقاومة". وعليه، لا يستطيع "حزب الله" إدعاء انه لا يتدخل في شؤون أحد لأنه موجود في لبنان فقط، بما أن موقفه ودوره الفلسطينيين يخترقان "الشرعية الوطنية" الفلسطينية التي هي ملك الشعب الفلسطيني ومساراته السياسية الديموقراطية. فكيف إذاً يستثني الحزب فلسطين من عدم تدخله؟
"حزب الله" يمسّ بالسيادة المصرية
كذلك، فبإسم فلسطين يقرر "حزب الله" بنفسه ولنفسه أن ما تحتاجه فلسطين ـ أي جهة فلسطينية بذاتها ـ يتطلب قيام شبكة "دعم لوجيستي" على الأراضي المصرية وعلى حدود مصر مع قطاع غزة.. ومن وراء ظهر الدولة المصرية. أي أن "فهمه" الخاص يقوده الى المسّ بسيادة دولة عربية مستقلة "يصدف" أنها أكبر دولة عربية، أي الى المساس بالشرعية الوطنية المصرية فضلاً عن الشرعية الوطنية الفلسطينية على النحو المشار إليه آنفاً.
وحتى على افتراض "حسن النية" ـ وليس ثمة حسن نوايا في العمل السياسي ـ فلو أخذ كلام السيد نصرالله أول من أمس بـ"حرفيته"، فإن "حزب الله" لا يقدم أي ضمانة من أن "الدعم اللوجيستي" لن يتمدد وتتوسع "حاجاته" الى الحد الذي يصبح معه تهديداً كبيراً لأمن مصر. إذ يبدأ "الدعم اللوجيستي" بشخص ليصل الى عشرة أشخاص.. ليغدو "جيشاً" داخل بلد آخر. و"قانون" المسألة اللوجيستية تاريخياً في أي مكان من العالم يقول إن المآل "الحتمي" هو من طبيعة "تصادمية".
..ويتجاوز سيادة الدولة
أما الإستنتاج الآخر فيتعلق ـ مرة أخرى ـ بلبنان. ذلك أن "حزب الله" بـ"ذهابه" الى غزة مروراً بمصر.. وصولاً الى تشكّل مجموعات تحرس "أمن الدعم اللوجيستي"، إنما يعلن نفسه ناطقاً بإسم لبنان، ومقرّراً بالنيابة عنه ماهيّة دعم فلسطين وكيفيّاته، متجاوزاً الدولة وصارعاً الشرعية الوطنيّة.
ثلاث ضحايا بإسم فلسطين!
إذاً عندما يقول نصرالله ـ حتّى ضمن الحدود التي "يعترف" في إطارها ـ إنّ "حزب الله" ليست لديه استراتيجية تدخل في شؤون الغير، فهو يتجاهل حقيقة أن ما سمّاه "الدعم اللوجيستي" بإسم فلسطين أودى ـ في الحالة المحدّدة موضوع النقاش ـ بثلاث ضحايا هي الشرعية الوطنية الفلسطينية والشرعية والسيادة الوطنيّتين المصريّتين والشرعيّة الوطنية اللبنانيّة وسيادة الدولة في لبنان.
مرّة أخرى، ليست المسألة تخابثاً على "حزب الله". المسألة تتعلّق بالمشكلة الفعليّة مع "حزب الله". فهو مِن مقاومة ناجحة في ظروف محدّدة ضدّ اسرائيل، يدفع باتجاه أن يجعل من الصراع مع إسرائيل عنواناً تفجيرياً داخل كلّ بلد عربيّ. وإذا كانَ السيّد نصرالله أراد أوّل من أمس أن يبدو هادئاً في بعض مقاطع خطابه، فإنّ ذلك لا يخفي حقيقة أنّ "حزب الله" يبدو مشتبكاً مع معظم الدول العربيّة من الأردن الى الكويت فالعراق والخليج حتى المغرب العربي. فهل أنّ الدول العربيّة "تفتري" عليه؟ أم ثمّة "شيء" خاطئ لدى "حزب الله"؟ وهل يصحّ أصلاً بإسم فلسطين أن يشكّل الحزب رأس حربة إشتباكات متعدّدة مع الدول العربيّة وأن يدفع لبنان معه أثمان تلك الإشتباكات؟. وهل "لبنانيّة" الحزب تعني أن يواصل في هذا الاتجاه.. وهل تنسيبه الى مشروع إقليميّ في هذه الحالة إفتراء.. ولماذا لا يقف عند حدود لبنان ودولته؟.
"دورة أخطبوطيّة".. والحوار مع بريطانيا
إنّ الكلام عن فلسطين من جانب "حزب الله" يبدو بمثابة "دورة أخطبوطيّة" تبدأ من لبنان لتصل الى أصقاع العالم كلّه.
وإذا كان بعض المتابعين إعتبر أنّ هدوء نصرالله في عدد من محطّات خطابه أوّل من أمس ناتجٌ عن "إستحقاقه" للمشكلة مع مصر وأعبائها على "حزب الله" عربياً، وناتجٌ عن رغبة لديه في "لملمة" تلك المشكلة إذا استطاع، فإن البعض الآخر من المراقبين لفتَ الى مفارقة تزامن الكشف المصريّ عن شبكة "حزب الله" ومجاهرة نصرالله بأسباب الشبكة، مع حوار بدأته بريطانيا مع من تسميه "الجناح السياسي" للحزب. و"المفارقة" أنّ الأمر يحصل في وقتٍ يمكن للحزب أن يستفيد من انفتاح عليه ولو أوّلي ليعيد تقديم "صورة لبنانية" فعليّة.
في جميع الأحوال، لا بدّ من القول إن المشكلة على خط القاهرة ـ "حزب الله" كبيرة وربمّا هي أكبر من الظواهر على كبرها.
نصير الأسعد