لكي نأمل في قيامة الوطن !
بين 13 نيسان 1975 و13 نيسان 2009 لم يتغير شيء في الجوهر وفي العمق، ليس فقط في النفوس وعلى المستوى السياسي والشعبي، بل ايضا على مستوى المؤسسات واولاها مجلس النواب ربطاً بقانون انتخاب اعيد احياؤه وهو رميم، مما شكّل تراجعاً قياسياً توج التراجع السياسي الانحداري من رحاب الوطن الى قمقم المنطقة والطائفة والمذهب، بكل ما لهذا التراجع من انعكاسات سلبية خطيرة على المستوى الشعبي.
واسوأ ما في هذا القانون الذي سبق ان اعتمد عام 1960 انه اعاد تكريس الخطاب المناطقي والطائفي الضيق، فبات معه المرشح يخاطب نفسه ومحيطه الاقرب. وبقدر ما يكون الخطاب محلياً ضيقا، يعتقد صاحبه انه سيكون الاوفر حظاً وسيلقى اقصى درجات التصفيق الحار من الجماهير، في حين ان اي قانون آخر يعتمد دائرة انتخابية اوسع من جدران الدائرة – القضاء، يفرض على الجميع خطاباً وطنياً لاطائفياً.
واغرب ما في الواقع السياسي الراهن ان بعضهم يتباهى بإعادة احياء قانون الستين ويتبناه ويعتبره انجازاً عظيماً، وفي الوقت نفسه يتباهى بأن اهم ما في "انجازه" ان القانون "الجديد" يتيح للنائب ان يكون منتخباً فقط من ابناء طائفته وملّته!
قبل 13 نيسان 1975 كان السياسيون، وكذلك المواطنون، يخجلون من الكلام الطائفي والمذهبي المقيت، في حين ان هؤلاء بغالبيتهم الساحقة، وبعد 34 سنة على اندلاع شرارة الحروب اللبنانية بكل انواعها وتجلياتها، لا يفهمون السياسة والعمل في الشأن العام انهما تكليف لا تشريف، بل هما عندهم ممارسات طائفية ومذهبية، ومعيار الزعامة هو المزيد من الشيء نفسه، مزايدين بذلك على كثير من المؤسسات والمجالس الملّية!
واما الحديث عن العمل الوطني الحقيقي، فقد بات من الماضي السحيق. وعند هؤلاء، العلمانيون واللاطائفيون جماعة من المتخلفين سبقهم الركب الحضاري بعد رفضهم الالتحاق بـ"الحضارة الجديدة" حضارة المجتمعات المغلقة.
ومن الضروري والمفيد ان تتذكر الزعامات على انواعها ومستوياتها، وما اكثرها في لبنان، ان اول معايير الزعامة الحقيقية ان يكون خطابها السياسي متحرراً من القيد الطائفي ومعظمهم نسي هذه الحقيقة حتى من قدموا انفسهم وطنيين متحررين من المنطق الفئوي. بل ان بعضهم سبق الطائفيين والمذهبيين بأشواط، ولا سيما منذ بداية موسم الانتخابات!
واخطر ما في ثقافة هذا العصر، انها تؤسس لمجتمعات مغلقة فيها ما يوحي للجيل الجديد أن: "نحن فقط على صواب وكل الآخرين على ضلال". انها ثقافة رفض الآخر الذي، وإن يكن على خطأ، ينبغي ان يكون مقبولاً لا برسم الإلغاء، وان يُحاور ويُناقش. واذا لم يقتنع، فالانتخابات النيابية هي الوسيلة الطبيعية والفضلى للتعبير عن توجهات الناس. وكما تكونون يوّلى عليكم…
ومن المفيد التذكير بأن اكثر القوانين انصافاً وأوسعها تمثيلاً هي تلك التي تعتمد النسبية قاعدة لها، لأنها ببساطة تقضي بأن من يحصل على 51 في المئة من الاصوات يحصل على 51 في المئة من المقاعد.
واذا كانت الانتخابات النيابية الحرة تعبّر عن فعل ايمان بالديموقراطية، فينبغي الحفاظ عليها وحمايتها بعيداً من الضغوط والمغريات واللوائح المعلبة والمغلقة، وثقافة الـ99,99 والخيارين اللذين لا ثالث لهما. بل يجب ان يكون المجال متاحاً امام المتحررين من الاصطفافات وأمام المستقلين. وخصوصا اولئك الذين لا يمكن احداً ان يزايد عليهم قولاً وفعلاً في الشعارات الوطنية المختلفة التي يرفعها الاطراف جميعاً.
وسيبقى الرهان على التغيير نحو الأفضل، هو الأساس لأي تطور، بدءا بقانون جديد للانتخاب، وصولاً الى الغاء الطائفية والمذهبية من النفوس قبل النصوص، لكي يصبح في الامكان التأمل بقيامة الوطن، والانتقال به من الظلمات الى النور!
سمير منصور