تكريم ذكرى ضحايا الحرب اللبنانية في ساحة الشهداء
اقامت جمعية "ذاكرة للغد" لمناسبة 13 نيسان حفل إعلان إقامة نصب وطني لتكريم ذكرى ضحايا الحرب اللبنانية برعاية رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان في ساحة الشهداء.
وزير الداخلية والبلديات زيـاد بـارود القى كلمة في المناسبة جاء فيها:
"ذاكرة للغد"… كأنّي بكم تقولون إن تذكّر الماضي فعلُ بناءٍ للمستقبل… بل كأنّ الحقّ في النسيان يقابله حقّ في التذكّر، أو لربّما واجبُ التذكّر.
أن نتذكّر كلّ سنة، في 13 نيسان، بدايات حربٍ عصفت بناسنا، أمرٌ لا يأتي بحد ذاته بأي جديد ولا هو يحمل أي تعبير. أما أن نتذكّر الناس أنفسهم، فأهمية الذكرى أنها للعبرة. ذكرى شهدائنا والضحايا. ذكرى أحبّاء سقطوا في ساحات متلاحمة أو متقابلة، لا فرق. فلقد سقطوا. بعضهم حمل روحه على كفّه، وبعضهم كُفّت روحه من غير أن يختار الشهادة، فسقط ضحيةً.
13 نيسان هو أن نتذكّر بطولات من سقطوا في ساحات الشرف، وهم يدافعون عن الأرض والوطن، ونحمل إليهم، مرّة في السنة على الأقل، عرفانا بالجميل وأجمل آيات الاعتزاز.
لكنّ 13 نيسان هو أن نتذكّر أيضا غباء أفعالنا الطائشة وعبثية حروبنا الصغيرة واستسهال اغتيال السلام، سلام الناس في أمنهم، وهو حقّهم على الدولة.
13 نيسان، نريده تاريخا للعبرة فلا تتكرّر المأساة. نريده إنذارا مبكرا وقائيا، علّ أحدهم لم يتّعظ بعد، علّ ثمة من هو عصيّ على دروس التاريخ.
نريد وطنا ننظر إلى غده بعيون من غابت عيونهم قبل أوان القطاف، بفعل رصاصة طائشة أو قصف عشوائي أو شطارة قنّاص أو جبن مفخّخ… عيون من رأوا الموت يضرب صوبهم في غير ساحات الشرف، حيث الشهادة وسام…
نريد ذاكرةً تحاكي الأيام الآتية لتقول: أنظري، هل ترين ما جنى ماضينا علينا؟ هل تكفيكِ عبرةً للمستقبل قبل الماضي مآسي الضحايا بالآلاف والثكالى والمعوّقين والمخفيين قسرا والمهجرين وكل أولئك الذين دفعوا ويدفعون ثمن حربٍ مَحَونا معظم آثارها في الحجر، وبقي البشر في ذهولٍ لا يفهمون.
لن تكون لنا أيام أفضل ما لم نعمل بجدّ على بناء ذاكرة خلاصية. فعمل الذاكرة عمل تأسيسي للمستقبل.
نريد مسامحة ومصالحة لا نسيانا. فالنسيان جمرٌ تحت الرماد.
نريد أن نطوي الصفحة، ولكن بعد أن نكون قد أكملنا قراءتها. نقرأ فيها مآسي ما أتت به، وهي مشتركة لدى جميع الضحايا من دون أي تمييز. هذا هو كتاب ذاكرة الحرب: أن نخبر جميعا ما جاءت به علينا، ولا همّ عندها كيف بدأت ومن بدأها، هذا عمل المؤرّخين إن نجحوا في اختراق جدار الحقيقة النسبية. أما عمل الذاكرة الخلاصية، فمهمّة وطنية حسبُها أن الضحية تبقى ضحية، من أينما أتت وكيفما سقطت.
نريد ذاكرةً كأنّها الضمير. ولا بأس إن تذكّرنا أن قانون العفو لم يشفِ العطش إلى عدالةٍ بقيت إنتقائية بدل أن تكون إنتقالية، وبقيت لازمة "عفى الله عمّا مضى" مجرّدة من المسامحة والغفران اللذين وحدهما يطويان الصفحة لنصفح ونكمل.
هكذا نكرّم ضحايانا وهكذا نحيي ذكراهم. لعلّهم إذا ما أتيح لهم الكلام في حضرة موتهم القسري، يقولون: نحن من دفعنا الثمن، فلا تبدّدوا ما سدّدناه دما وقهرا. إتعظوا من ماضٍ أحمر وأسود ولا تعيدوا الكرّة. إفعلوا ذلك إكراما لنا واكتبوا على مصطبة من رخام، على مقربة من أسمائنا، هنا يحيا من سقط لنتّعظ ولنتعلّم.
هكذا نكرّم شهداءنا والضحايا. أن نكون أهلا لشهادتهم وتضحياتهم.
هنا، سيُرفع نصبٌ وطني لضحايا الحرب، جميع ضحايا الحرب.
يجتمعون هنا والحرب فرّقتهم.
يجتمعون فننحني أمام ذكراهم إجلالا،
ونرفع النظر إلى العليّ إكبارا،
وننظر في مرآة حاضرنا خفرا واستهابةً، معلنين أننا شعب يحسن استخلاص العبر ويحسن تكريم شهدائه وضحايا نكباته، وأننا، إكراما لهم، سنُسقط غباء احتمال المعاودة.
الحرب انتهت.
هذا وعدنا إليكم، هذا عهدنا".