معركة "نهر الحشيشة"!
مطاردة الجيش للمهربين وتجار المخدرات وعصابات سطو وسرقة السيارات في منطقة البقاع ليست جديدة. لكن إقدام عناصر من هؤلاء امس على اقامة كمين واطلاق النار على آلية عسكرية واستشهاد اربعة جنود واصابة ضابط، دفع الامور هذه المرة الى نقطة لا يجوز التهاون فيها على الاطلاق.
لن نتوقف عند بيانات السياسيين وفيض التصريحات المنددة بهذا الاعتداء الارهابي البشع. لكننا لن نتوانى عن القول ان هيبة الجيش والدولة والوطن تواجه الآن امتحاناً دقيقا هذه المرة في البقاع وعند مفترقات مهمة وذات مغزى عميق.
❑ اولاً: ان الجيش اللبناني الذي انتصر على الارهاب في نهر البارد، يجب ان يكون حاسماً في الانتصار في معركة نهر الحشيشة وعصابات المخدرات والإرهاب والسرقة. فلقد طال الزمن الذي كان الامن يمتهن فيه على ايدي عناصر خارجة على القانون.
ولقد طالت مهزلة ان يقوم عناصر من "الطفار" بتنظيم عمليات صناعة المخدرات وتهريبها، وسرقة السيارات ومفاوضة اصحابها وفرض خوة عليهم لاستردادها، بينما الدولة تراقب ولا تضرب بيد من حديد، وتبدو غالباً كمن لا حول له ولا قوة!
❑ ثانياً: ان لبنان يقف على عتبة انتخابات نيابية حامية الوطيس تقرر ان تجري في يوم واحد. وفي مواجهة الاحتمالات الساخنة التي قد تحصل يوم الانتخاب، فإن الجيش والقوى الامنية في حاجة ملحّة الآن الى اثبات هيبتهما بما يدفع الذين قد تسوّل لهم حساباتهم محاولة تعكير العملية الانتخابية بافتعال المشاكل، الى ضرب الاخماس بالاسداس، لان قبضة الدولة تستطيع وقفهم عند حدهم. والا يمكن القول جدياً لن تحصل او انها قد تتحول حرب داحس والغبراء وسط التأزم المتصاعد!
❑ ثالثاً: ان يكون الجنود هدفاً لعملية ثأرية على خلفية مقتل تاجر المخدرات علي عباس جعفر الذي سقط في مواجهة مع الجيش قبل اسبوعين، فإن ذلك يعني ان الدولة والجيش في حاجة ملحة الى الحزم والحسم، ليس اقتصاصاً فحسب من الذين نفذوا هذه الجريمة وقيل انهم اطلقوا النار ابتهاجاً بمقتل الجنود، بل ايضاً لإفهام الطفار والخارجين عن القانون ان زمن الفوضى قد انتهى.
❑ رابعاً: عندما يكون علي عباس جعفر الذي سقط في مواجهة الجيش ملاحقاً كما اعلن رسمياً بـ 172 مذكرة توقيف، على خلفية اتهامات باطلاق نار على مراكز عسكرية ومحاولة قتل عسكريين ومدنيين والاتجار بالمخدرات وارتكاب عمليات تزوير، فإن ذلك يعني انه كان يملك تاريخاً طويلاً في ممارسة هذه الاعمال ضد الدولة والقانون.
ما هو اخطر من هذا وأهم، انه ربما كان يمثل عبر هذا المسلسل التاريخي الطويل من الاعمال، قدوة تحتذى بالنسبة الى من هم امثاله، بما يعني ان هيبة الدولة والقانون وقواهما قد غابت وهانت.
❑ خامساً: اذا كانت ظروف الماضي القريب قد جعلت الدولة تلتزم الحدود المرسومة لها على يد الادارة الخارجية للبلد، وخصوصاً في كثير من الارياف ومجاهل الجمهورية، فالآن لم يعد مقبولاً او مسموحاً ان تتهاون الدولة مع العصابات والارهابيين والخارجين على القوانين، بل عليها ان تحسم وتفرض هيبة القانون، بما يؤدي الى امرين مهمين جداً:
اولاً ان يتعلم الطفّار ورجال العصابات الآخرون ان زمن الفلتان قد انتهى.
وثانياً، وهو الاهم، ان تعلن الدولة عبر الحزم والحسم انها الدولة التي يجب ان يبدأ الجميع من الناقورة الى النهر الكبير بتصديق انها صاحبة السلطة الساهرة على الامن والنظام.
❑ سادساً: ان ما جرى ويجري في البقاع ليس مسألة تهم لبنان واللبنانيين فحسب، بل هو امتحان دقيق وحساس للدولة والسلطة اللبنانية امام دول العالم، وخصوصاً تلك التي تهتم بتسليح الجيش وقوى الامن، توصلاً الى فرض الدولة ارادتها على كل الاراضي اللبنانية.
على هذا الاساس ليكن الحزم والحسم ولكن بعيداً من البطش. فلقد خسر الوطن دم اربعة من الشهداء العسكريين ومن حقه ان يربح هيبة مستعادة للدولة، في منطقة طال الزمن الذي افترض فيه بعض قليل جداً من ابنائها الطيبين انهم احرار في ما يقومون به من الجرائم.