استفتاء بالدم والصناديق !
تحرج الجريمة التي اودت بالعسكريين الاربعة في البقاع، اكثر ما تحرج، اصحاب الولاء المزدوج لمشروع الدولة كشعار، ولواقع انتهاكه كممارسة.
ولم يكن توقيت هذه الجريمة في الذكرى الـ 34 ليوم 13 نيسان 1975 مؤشر السوء الاساسي وحده، بل لكونها ضربت غدراً في خاصرة الجيش على مشارف استحقاق غير مسبوق سيتعين على القوة العسكرية والامنية مواجهته في 7 حزيران بتوفير الحدود القصوى لامن الانتخابات.
هذه الجريمة تفجّر في الواقع عاملاً شديد السخونة على ابواب الانتخابات في جوهر الصراع السياسي على مشروع الدولة وليس على اي جانب آخر من الصراع. وموجة التضامن والدعم للجيش ليست الا من باب الذهول امام هول الاستقواء الاجرامي على الجيش الذي باغت كل الوسط السياسي وقلب ظهر المجن في وجه حسابات كثر ممن استهانوا او وظفوا او برروا لظواهر الاستقواء على "الدولة" حتى وهي "مشروع" لا يزال في قلب الصراع السياسي.
بعض هذا الذهول والاحراج برز في لجوء بعضهم الى الاحتماء باللازمة السهلة التي تدرج الجريمة في الاطار العشائري الثأري. ولعل اسوأ ما في هذا المنطق انه يلجأ بدوره الى تاريخ قديم متأصل للعمليات الثأرية وكأنه يتوسل نزع اي بُعد سياسي حالي عن الجريمة ومقدماتها ومضاعفاتها، ويعزل الواقع الثأري العشائري عن الصراع السياسي الاوسع. ويبدو هذا المنطق في الذكرى الـ 34 لانفجار الحرب اللبنانية موغلاً في الاستهانة بعقول الناس. ولكان ممكناً الاخذ ببعض هذا التبرير لو اقتصرت الجريمة على القتل "المافيوي" والارهابي وحده. اما وقد اقترن الاغتيال الرباعي الموصوف بعراضة "ابتهاج" نارية، في انحاء المصدر والحماية والملجأ للقتلة، وهو ضرب من ضروب التعبير الغرائزي في التهليل لإيلام "العدو" والنيل منه، فالأمر يغدو اشد خطورة وتعقيداً من مجرد جنوح ثأري محدود الظروف والدوافع، او محصور بمكان وبيئة معينين، او موروث من تقاليد وانماط اجتماعية معينة. الظاهرة هنا، حتى وان صحّ عدم وجود اي بُعد سياسي لها، يستحيل فصلها وعزلها عن مناخ سياسي شكّل في أسوأ جوانبه في السنوات الاخيرة محفّزاً لثقافة الاستقواء على الدولة في ركائزها الرئيسية. هذه الظاهرة تأخذ بُعدها الاخطر في مسألة العنف الكلامي المستهدف للدولة كما في الممارسات العنفية نفسها سواء بسواء. والامر لا يرتبط بأدبيات ومشاريع سياسية تعرفها كل الدول المصنّفة ديموقراطية في صراعات طبيعية ومشروعة، بل في ارتهان مشروع الدولة تحت وطأة هذه الصراعات حتى باتت الدولة في لبنان عقب "الاستقلال الثاني" مجرد مشروع قيد المخاض الدائم.
عند هذه الحدود والمفاهيم تماماً تتخذ الانتخابات النيابية المقبلة اهميتها المصيرية الحقة، وتأتي هذه الجريمة في توقيتها وابعادها الظاهرة والمستترة لتشكل لاجماً حاداً لكل عبث بمفهوم هذه الانتخابات. قد تكون مقدمات هذه الانتخابات واشية بأنها لن توفّر العلاج الشافي للأزمة الحقيقية التي يعانيها لبنان، وهي ازمة انعدام الانتظام العام تحت سقف الدستور والدولة. وقد تؤدي نتائج الانتخابات بتوازناتها السلبية الى تمديد الكثير من جوانب الأزمة. ولكن في مطلق الاحوال فإن ظواهر تقويض الدولة التي تباغت الجميع، حتى الذين في يدهم الكثير من مفاتيح الحل والربط لظواهر كهذه، ستدفع امام الناخب معادلة لا مفر منها هي معادلة الاستفتاء للدولة اولاً واخيراً في معزل عن كل تصنيف دعائي وغوغائي آخر. فليس ثمة ما يدفع الى "تبرئة" قتلة العسكريين الاربعة على طريق رياق – بعلبك من "تهمة" التسييس ما دامت فعلتهم الارهابية استحضرت "البوسطة" المنخورة بالرصاص ومعها دولة الاستقلال الاولى. ويفترض، والحال بلغت هذه الخطورة المبكرة ان يكون "الثأر" الحلال للشهداء العسكريين وقبلهم سائر الشهداء وقوافلهم في صناديق الدولة وللدولة اسوة بعدالة المحاكم.