يحترم نتائج 7 حزيران ويكون رئيس الجمهورية طرفاً رئيسياً في إنجازه
المخرج باتفاق جديد بعد الانتخابات
ما يسري على كل الإتفاقات السياسيّة ينطبق بالضرورة على اتفاق الدوحة. الإتفاق السياسيّ لا يجدَّد بعد انقضاء مهلته إلا بالإتفاق بين الموقّعين عليه. لا يجدّد الإتفاق إلا باتفاق جديد. والإتفاق السياسيّ لا يحافظ على طابعه كإتفاق إذا ما أعلن أحد أطرافه استمرار العمل فيه بعد انقضاء مهلته، ومن جانب واحد، وبخصوص فقرة بعينها.
والإتفاق السياسيّ ما لم يرتق إلى منزلة الدستور، وما لم يتمخّض عنه تعديل للدستور، يبقى حكماً بمثابة إتفاق مؤقّت، محدود بأمد، ولا يمكن الركون إليه إلى ما لا نهاية، فلا يملك أحد أطرافه حصرية تفسيره حتى يملك لاحقاً حصرية التحكم بالآخرين على أساس القياس عليه. فإذا نصّ اتفاق الدوحة على انتخاب قائد الجيش رئيساً توافقياً للجمهورية بعد فترة من الفراغ الدستوريّ، فلا يعني ذلك أنّه يلزم أن ينتخب كلّ رئيس للجمهوريّة على هذا الأساس. وإذا نصّ الإتفاق على توزيع معيّن للنسب الحكومية فلا يعني ذلك أنّ كل الحكومات ينبغي أن تتشكّل على هذا الأساس.
فإذا ما دعا الداعي للإحتكام مجدّداً إلى اتفاق الدوحة بعد الإنتخابات النيابيّة فهو إمّا أنّه يدعي، من حيث يدري أو لا يدري، إلى صياغة اتفاق جديد، وإمّا أنّه يتصرّف كما لو أنّه أعطي وكالة حصرية بتجديد أمد هذا الإتفاق ساعة يشاء، والإنقضاض عليه ساعة يشاء، وتطبيق فقرة وتعليق أخرى، وعندها نكون أمام أمر يشبه كل شيء إلا الإتفاق.
واتفاق الدوحة كان اتفاقاً سياسياً بامتياز، ولا يقلّل من صفته تلك الإختلال الأمنيّ الفظيع في ميزان القوى الداخليّ الذي فرضه، أو الحرب الأهلية التي حصلت من جانب واحد. صحيحٌ أنّ تحصيل 8 آذار لـ"الثلث المعطّل" (مع التعهّد بعدم التعطيل) ما كان ليحدث لو لم يوجّه السلاح إلى الأهالي والمواطنين، إلا أنّه لو كان السلاح لوحده كافياً لتحصيل هذا "الثلث المعطّل" ما كان من حاجة للذهاب إلى الدوحة وتوقيع الإتفاق، وما كان من حاجة إلى صيغة من شأنها تعطيل التعطيل، حيث "تتعهد الأطراف بمقتضى هذا الإتفاق بعدم الإستقالة أو إعاقة عمل الحكومة".
ثمّ أن اتفاق الدوحة بجميع بنوده يقوم في الأساس على قاعدة أساسية وهو أنّه لا يمكن اللجوء مجدّداً إلى العنف لحسم الشؤون الداخلية اللبنانية، ولا يمكن حتى التهديد بمعاودة الفعلة، فكيف يكون بعد ذلك من الممكن التهديد باللجوء مجدّداً إلى العنف لتجديد العمل باتفاق الدوحة نفسه، والحال أنّ كلّ إعلان لاستمرار اتفاق الدوحة من طرف واحد، بعد انقضاء مهلته، وبعد أن انتخب الرئيس التوافقي وتشكّلت حكومة الوحدة وحصلت الإنتخابات النيابية، هو شكل من أشكال اللجوء مجدّداً إلى لغة العنف.
أما إذا كانت الدعوة إلى الإتفاق مجدّداً على اتفاق سياسيّ، وليس إلى فرض الشراكة بالقوة أو الإتفاق من جانب واحد، فعندها يكون ثمة مجال لاستكمال ما بدأه اتفاق الدوحة، هذا الإتفاق الذي يلتزم نصّه "مبادىء الدستور اللبناني واتفاق الطائف" بمثل ما يلتزم مرجعية "المبادرة العربية في شأن احتواء الأزمة اللبنانية".
فبعد كلّ شيء، إذا كان اتفاق الدوحة لا يلغي اتفاق الطائف فلا يمكن واقعياً العودة بشكل مباشر من هذا إلى ذاك دون التوافق على صيغة معيّنة تستكمل "إحتواء الأزمة اللبنانية".
ثمة إذاً حلقة ما تزال مفقودة بين انتهاء مفعول اتفاق الدوحة يوم الإنتخابات وبين الإحتكام بعد الإنتخابات إلى نتائجها والعمل وفقاً لأحكام الدستور، وهذه الحلقة المفقودة لا يمكن إيجادها إلا بصياغة اتفاق جديد.
والإتفاق الجديد لا يمكن تأمين شروطه إذا ما غيّب الطرف الرئيسيّ الذي كان مركزه فارغاً يوم وقّع اتفاق الدوحة، أي رئيس الجمهوريّة، وإلا كان اتفاق الدوحة يقول الشيء ونقيضه، فيضع حدّاً للفراغ الدستوريّ ويعطّل عمل رئيس الجمهوريّة.
ومن يرفع اليوم لواء اتفاق الدوحة المجدّد من جانب واحد إنّما يستهدف استمرار التعطيل ليس فقط في داخل مجلس الوزراء، وإنما استمرار تعطيل مؤسسة الرئاسة.
والمخرج الواقعيّ من هذه المعضلة يكون بأن يصاغ اتفاق جديد بعد الإنتخابات، يقرّب البلاد أكثر من النظام البرلمانيّ الذي يقرّه دستورنا، ولا يكابر على نتائج الإنتخابات النيابية عند تشكيل الحكومة.
مثل هذا الإتفاق لا يكون ممكناً إلا بمبادرة من رئيس الجمهورية، وبأن يكون رئيس الجمهورية طرفاً أساسيّاً فيه، وليس فقط جامعاً لشمل أطرافه.