صيدا تنتخب: الثنائيّة أو السنيورة
■ المستقبل: من حقّنا أن نُجري استفتاءً على شعبيّتنا
■ الشعبي الناصري: صيدا للكلّ… يُحاربوننا بالمال والمذهبيّة
■ بيتا سعد والحريري مفتوحان، لكن أين منزل السنيورة؟
في صيدا هناك من يرى نفسه أنه يخوض معركة عن الوطن بكامله، وفي الوقت عينه يخوض معركة الحفاظ على تنوّع المدينة، وعدم احتكارها من طرف واحد. في المقابل، هناك من يرى في هذه المعركة استفتاءً على خياراته السياسيّة ونوعاً من «فشّة الخلق» بعد أحداث السابع من أيّار
ثائر غندور
يجلس النائب أسامة سعد في مكتبه عند مدخل صيدا الجنوبي واثقاً من إمكان الفوز في معركة يراها هو وأنصاره معركة «الحفاظ على الخط الوطني في المدينة». يجول كعادته بصورة شبه يومية في أسواق المدينة، «وهي جولات ليست انتخابيّة» كما يقول مدير مكتبه طلال أرقه دان، الذي صادف وجوده في السوق.
في ذلك الشارع الذي تنتشر فيه محالّ تجاريّة تتنوّع بين الشعبيّة والوسطى، يُمكن لمس مزاج «أصحاب المصالح التجاريّة والصناعيّة» في المدينة. هؤلاء الذين يُقرّ طرفا المعركة، أي آل الحريري وأنصار أسامة سعد، بأنهم سيحدّدون وجهة الانتخابات. فهذه الفئة من الصيداويين تعوّدت على وجود الثنائيّة السياسيّة في المدينة، كما يقول صاحب أحد المقاهي التي تجمع العديد من الصيداويين صباح كلّ يوم. ويقول وجيه (كما عرّف عن نفسه) إن صيدا ستنتخب شخصين: بهيّة الحريري وأسامة سعد. هكذا، يحسم النتيجة منذ اليوم. لكن ماذا عن الرئيس فؤاد السنيورة؟ تبرز بسمة صفراء على وجه وجيه، ويقول: أليس من الأفضل أن يتعرف فؤاد السنيورة إلى طريق صيدا أوّلاً؟
■ أسباب إقفال المستقبل لائحته
يقول قريبون من الوزيرة بهيّة الحريري إنّ قرار ترشيح شخصين في صيدا اتخذ منذ أن بدأ الحديث في موضوع الانتخابات النيابيّة، أي منذ أكثر من خمسة أشهر. يذكر هؤلاء الأسباب التي دفعتهم إلى خيار من هذا النوع. فالمستقبل يرى أن هذا القرار جاء نتيجة عدّة أحداث، بدأت مع الانتخابات البلديّة في عام 2004. حينها، سعى الراحل رفيق الحريري (وهو الذي خاض معركة الانتخابات البلديّة مباشرةً)، بحسب ما يقول المستقبليون، إلى إنضاج توافق في المدينة، لكن النائب سعد رفض ذلك حينها «واشترط على عبد الرحمن البزري خوض المعركة في وجه الحريري حتى ينال دعمه».
ويُضيف هؤلاء أن آل الحريري مدّوا أيديهم إلى البلديّة المنتخبة برئاسة البزري، «لكن أعضاءها رفضوا التعاون معنا، لا بل ماطلوا في تنفيذ العديد من المشاريع، وأهمها الحديقة العامة التي كان يُفترض أن تُقدّم البلديّة أرضها، ومؤسسة الحريري التمويل، لكن البزري ماطل ثم حوّل الأرض إلى مركز معروف سعد كي ينشئ الحديقة بمنحة إيرانيّة. عندها قدّمت مؤسسة الحريري طعناً في وزارة الداخليّة والبلديّات، ما أدّى إلى وقف العمل بالمشروع، وخسرت المدينة». ويسرد هؤلاء الكثير من المواقف التي يقولون إنها أثبتت أن البلديّة تعاملت مع مؤسسة الحريري من منطلق سياسي لا إنمائي. وهم يرون أن البزري وسعد استغلا كل مناسبة لافتتاح مشروع في صيدا لشتم آل الحريري.
وحصل اغتيال رفيق الحريري في عام 2005، «وكان آل الحريري قادرين على استغلال التعاطف الشعبي معهم في سبيل إلغاء آل سعد، لكنّهم لم يقوموا بذلك». ويُصرّون على أن بهيّة الحريري كانت قادرة على ترشيح شخص إلى جانبها في صيدا في عام 2005، لكنها لم تفعل، علماً بأن صيدا لم تكن دائرة وحدها في تلك الجولة الانتخابيّة، بل كانت مرتبطة بمناطق جنوبيّة أخرى، وخيضت الانتخابات آنذاك في ظل التحالف الرباعي الذي ضم المعارضة.
ويقول المقربون من آل الحريري إن «الست بهيّة»، حاولت مراراً الإبقاء على التواصل مع سعد، لكنه «كان دائماً يقول كلاماً في الإعلام هو غيره الذي يُقال في الجلسات الخاصّة». ويذكر أن واحداً من هذه الحوادث كان الاجتماع الذي عُقد للبحث في مشكلة جند الشام، بحضور جميع فاعليات المدينة والقوى الفلسطينيّة (منظمة التحرير الفلسطينيّة وقوى التحالف) واستخبارات الجيش اللبناني. ويقول المستقبليّون إنه في ذلك الاجتماع طُرح حلّان: الحسم العسكري مع جند الشام، وهو خيار سيؤدّي إلى وقوع الكثير من الضحايا. أمّا الحلّ الثاني، فهو إيجاد منازل لهؤلاء داخل المخيّم. وقد تعهّدت الفصائل الفلسطينيّة توفير المنازل، على أن تُزوّد بالأموال، «وهنا قالت الحريري إنّها مستعدّة لأن تدفع ما يجب عليها، وقد دفعت مئة ألف دولار أميركي، ثم خرج الإعلام ليقول إن الست بهيّة تموّل جند الشام». كذلك يقول هؤلاء إن أسامة سعد رفض أن يكون هناك موقف موحّد لمدينة صيدا خلال الحرب على قطاع غزّة، وذلك بعدما عرض عليه الأمر المفتي سليم سوسان «بعدما طلبت الحريري من سوسان أن تقوم دار الفتوى بهذا الدور».
وتخلّل هذه الأحداث «السابع من أيّار». ويُشير المستقبليّون في هذا الإطار إلى أن مؤسسات المستقبل أقفلت آنذاك، ورغم ذلك سعت الحريري إلى إعادة التواصل مع سعد، لكن الأمور لم تجرِ بإيجابية. ويرى المستقبليّون أن ترشيح فؤاد السنيورة هو «لإشفاء غليل مناصرينا مما حصل في 7 أيّار، إذ اتُّهمنا بأننا ميليشيا مسلّحة رغم أننا لم نكن نملك أي سلاح»، وذلك رغم أن الحريري قالت يوم 13 أيّار إن «صيدا لن تتغير، ولن يتغير وجهها في كل الظروف، لأنها هي الثابت والكل يذهب، وفي الوقت نفسه ثوابتنا لن تتغير، ثوابتنا في السلم الأهلي والعيش المشترك، وفي وحدتنا واستقرارنا». وقد قدّرت الحريري آنذاك «موقف النائب أسامة سعد مما جرى» كما جاء في الخبر الوارد على الوكالة الوطنيّة للإعلام التي أضافت نقلاً عن الحريري: «هو شعر بالغضب الذي شعرنا به، وبأن ما حصل أمر لا يجوز، وأن المدينة لا يجب أن تكون بهذا الشكل».
كلّ ذلك أسهم في صوغ رؤية لدى المستقبل، مفادها أنّ من حق تيّارهم أن يُجري استفتاءً على خياراته السياسيّة «ومَن غير السنيورة قادر على ذلك وهو رجل آدمي وصادق ومخلص للوطن»، بعد كلّ ما تعرّض له.
■ اعتراض شعبي على ترشيح السنيورة
تنتشر في الأوساط الحريريّة في صيدا مقولة، هي أن ترشيح فؤاد السنيورة، يأتي مكافأة له على صموده في السرايا الحكومية في وجه «غزوات المعارضة»، وصموده في موضوع المحكمة الدوليّة، كذلك لكونه رفيق درب الرئيس الراحل رفيق الحريري منذ سنوات طويلة.
في المقابل، هناك من يرى في الشارع الصيداوي أن ترشيح السنيورة يأتي في إطار استكماله لأداء دوره، رأسَ حربة المشروع الأميركي في لبنان، «هذا المشروع الذي تلقّى ضربة خضّته، لكنها لم تقتله» كما يقول أحد أعضاء الحزب الديموقراطي الشعبي، المتحالف مع سعد.
لكن المزاج الشعبي المناهض للسنيورة يعبّر عن الأمور بلغة بسيطة وسهلة: أنا أُعطي ابني 5000 ليرة يومياً، يقتطع منها السنيورة 500 ليرة قبل خروج ابني من المنزل، ثم يقتطع نصفها ضرائب، فلا يبقى لابني أكثر من 2250 ليرة، فلماذا أنتخبه؟ يقول أبو حبيب، وهو صاحب أحد المحالّ التجاريّة في المدينة.
فالسنيورة بالنسبة إلى هؤلاء هو وزير المال طوال فترة حكم الرئيس رفيق الحريري، والمسؤول عن السياسات الماليّة التي ورّطت البلد بأكثر من 50 مليار دولار من الديون. وهو رئيس الحكومة الأكثر إشكاليّة في التاريخ اللبناني. وبكلام آخر، يجده البعض «ابناً غير بار» لمدينتهم التي يعتزّون بانتمائهم إليها. ومن هنا، يبرز الموقف السلبي تجاه رئيس الحكومة، إذ يسأل هؤلاء عن السبب الذي سيدفعهم إلى إسقاط أسامة، بما يعنيه من اختلال في توازن المدينة السياسي، وفي العلاقة مع المحيط، كما يقول هؤلاء، وخصوصاً أن أغلب أملاك الصيداويين تمتد من صيدا جنوباً باتجاه القاسميّة (مصب نهر الليطاني)، حيث إن أغلب البساتين المنتشرة في هذه المنطقة هي ملك لعائلات صيداويّة.
وجاء التعبير الأول عن الخوف من دخول فؤاد السنيورة السياسي إلى المدينة عندما أعلن الرجل ترشّحه للانتخابات. في ذلك اليوم، فرغت شوارع صيدا من ناسها، وكأن هناك من فرض عليها حظراً للتجوال، كما قال عدد من أبناء المدينة.
إضافة إلى كلّ ذلك، يثير بعض المواطنين الأمر من زاوية مطالبهم اليومية، فيتحدثون بلغتهم العاميّة قائلين: بيت سعد مفتوح لنا، ندخل إليه متى نشاء ونطلب ما نُريد، وكذلك بيت الحريري، وإذا ما استقبلتنا الست بيستقبلنا مساعدوها، ولكن أين هو بيت فؤاد السنيورة؟ ويتخوّف هؤلاء من أن السنيورة لن يكون متفرّغاً لاستقبالهم وتلبية مطالبهم، وخصوصاً أن مشاغله كثيرة، تتعدّى همومهم الصغيرة، في مدينة تكاد تشبه البلدة الكبيرة.
■ صيدا للكلّ!
عند موقف النجمة في صيدا، وهو موقف وسائل النقل العامة، تعلو لوحة إعلانيّة لأسامة سعد عليها صورته وصورة للمدينة، مكتوب عليها: صيدا للكلّ. تعبّر هذه اللوحة عن الموقف الذي يتبنّاه سعد وفريق عمله. هم يقولون إن ترشيحهم لسعد منفرداً ينطلق من اقتناعهم بأن المدينة تتسع للجميع، ويُفترض أن يتمثّل فيها الجميع. ويُفاخر هؤلاء بأن تاريخهم يُثبت ذلك، فيقولون إنه في عزّ الحرب الأهليّة، بعد محاولة اغتيال مصطفى سعد، ألّف الأخير مجلساً سياسياً للمدينة ترأسه الدكتور نزيه البزري (والد رئيس البلدية الحالي عبد الرحمن البزري)، وهو الذي كان خصمه اللدود. وهم يرون أن محاولات إلغائهم ليست جديدة، فقد سعى رفيق الحريري إلى ذلك في عدّة دورات انتخابيّة، لكن في كلّ مرّة كان مصطفى سعد يتفوّق على الجميع في نيله أكبر عدد من الأصوات الجنوبيّة.
ويُكرّر هؤلاء كلاماً يقوله عامّة الناس عند سؤالهم عن نقاط قوتهم: نحن فقراء مثل أهل المدينة، لكن فقراء بالمال لا بالعقل. ويرى هؤلاء أن أبرز سلاحين يُحاربهم بهما آل الحريري هما: المال السياسي والتعبئة المذهبيّة. ويُعطون أمثلة عن المال السياسي: اذهب إلى مستشفى حمود، فترى بالعين المجرّدة الأموال التي تُدفع لإقفال فواتير المواطنين، «وقد وصل الأمر بهم إلى أن عرضوا ذلك على والدتي» يقول أحد كوادر التنظيم الشعبي الناصري، باستهجان. كذلك يقول هؤلاء إن عمليّة حجز بطاقات الهويّة منتشرة في المدينة، وهو كلام يوافق عليه عدد من فاعليّات المدينة. ويجري حجز بطاقة الهويّة مقابل 700 دولار كما يقولون، «لكن هناك مجموعة من الناس أعطتهم هويّاتها وقبضت الأموال، ثم استحصلت على جوازات سفر لاستعمالها في العمليّة الانتخابيّة».
أمّا في ما يتعلّق بالتعبئة المذهبيّة، فيتّهم مناصرو سعد تيّار المستقبل بخوض المعركة تحت شعار حماية المدينة من سيطرة الشيعة، وتصوير السنيورة رمزاً للصمود في وجه الهجوم «الشيعي»، وهو أمر يرفضه مناصرو سعد، وعندما تسأل أسامة عن الصوت الشيعي في المدينة، ينتفض غاضباً، لأنه لا وجود لشيء اسمه صوت شيعي، بل هناك مواطن، مهما كان مذهبه. يرى بعض من أنصار سعد أن هذا الخطاب قد يؤدّي إلى خسارة بعض الأصوات، لكنّهم يرون أن وحدة المدينة، ومبدئيّتهم في مواجهة الطائفيّة لا يُستبدلان ببضعة أصوات.
ويرى هؤلاء أن مدينة صيدا أصبحت المدينة الأخيرة في لبنان التي تعيش فيها زعامة سياسيّة لا تقوم على المال، رغم أن سعد لا يراها زعامة شخصيّة، بل هو يُردد دائماً: «أنا مثل أي عضو في التنظيم». ويُعدّد هؤلاء كيف قضى رفيق الحريري على زعامات بيروت وطرابلس، كما الكثير من المناطق الأخرى لمصلحة «حيتان المال»، لذلك يرون أنّ معركتهم ذات امتداد وطني، مثلما هي معركة الحفاظ على تنوّع المدينة.
________________________________________
الجماعة تُقرّر مصير السنيورة؟
عندما تسأل المسؤول السياسي في الجماعة الإسلاميّة في صيدا بسام حمود عن القوى السياسيّة في صيدا، يقول الرجل بوضوح: سوف أُعدّد القوى بحسب قوّتها الشعبيّة: تيّار المستقبل، التيّار الوطني (برئاسة النائب أسامة سعد، ويضمّ الأحزاب والقوى الوطنيّة)، الجماعة الإسلاميّة، تيّار رئيس البلديّة عبد الرحمن البزري. ويقول حمّود إن الجماعة موجودة في صيدا، لكنّه يُفضّل عدم الدخول في الحديث عن حجم الجماعة، «لكنّ الانتخابات ستُثبت حجم الجماعة». في الوقت عينه، يرفض حمود الحديث عن ثنائيّة ما في المدينة، بل هناك «تنوّع سياسي، ولا أحد يستطيع أن يُلغي أياً من القوى السياسيّة». وعن الوضع الانتخابي للمرشحين الثلاثة: الحريري، سعد والسنيورة، يُجيب بأنه إذا تحالفت الجماعة مع المستقبل، فإن وضع الحريري والسنيورة يكون مرتاحاً، وفي حال عدم التحالف، فإن وضع السنيورة سيكون صعباً. ويؤكد أن الجماعة إذا تحالفت مع المستقبل، فإن جمهورها سيصوّت للمستقبل، لـ«كوننا نلتزم العهود، وهذا عهد الناس فينا».
________________________________________
الأرقام بتحكي!
من الأمور اللافتة في صيدا الحديث عن الأرقام، إذ يتداول الناس معلومات عن الأحجام تقول الآتي: تيّار المستقبل وأنصار بهية الحريري (14 إلى 16 ألف صوت)، التيار الوطني (11 إلى 13 ألف صوت)، الجماعة الإسلاميّة (نحو 5000 صوت)، تيار عبد الرحمن البزري (1500 صوت). ويُضاف إلى هذه الأصوات كتلة ناخبة تصل إلى نحو 4000 صوت تختار بهيّة الحريري وأسامة سعد معاً.
وذلك يعني أن الحدّ الأدنى للأصوات التي يُفترض أن تنزل إلى صناديق الاقتراع يصل إلى نحو 40 ألفاً، فيما عدد الناخبين في صيدا هو 51549، ونسبة المشاركة في عام 2005 وصلت إلى 42,6%، فيما وصلت إلى 50% في عام 2000.
مرشّحان برسم الانسحاب
لا يقتصر المرشحون على الرباعي المعروف، بل هناك أيضاً ناصر حمود، وهو شقيق الشيخ ماهر حمود، لكنّه ضمن فريق الحريري، ومصطفى القوّاس، وهو صاحب أحد الأفران الكبيرة ومقرّب من رجل الأعمال وصاحب شعار 11 آذار مرعي بو مرعي. ويقول الصيداويون عند سؤالهم عن ترشيح القواس، إن هذا الترشيح سوف ينتهي بمجرد أن تتصل الست بهية بمرعي وتطلب منه زيارتها. ولم تستطع «الأخبار» التواصل مع المرشح القواس لوجوده خارج لبنان، مثله مثل السنيورة. وتنتشر صور القواس في مختلف شوارع صيدا، فيما لم يبدأ الفريقان الأساسيان بمعركتهما الإعلانيّة بقوة بعد.