#adsense

نظرية زعامة العماد عون المسيحية وبطلانها

حجم الخط

نظرية زعامة العماد عون المسيحية وبطلانها
المحامي جورج ابو صعب

اكثر ما يفاجئنا في ذهنية وخلفيات بعض شخصيات واعضاء التيار الوطني الحر وكتلة التغيير والاصلاح هذا الجنوح في اعتبار العماد ميشال عون الزعيم المسيحي الاوحد لا بل صاحب الحق والافضلية في ان يكون زعيما للمسيحيين في لبنان. والبعض يذهب الى حد الترويج والدعاية والاعلان بذلك جهارا ووجاهيا وكأن الموضوع امر واقع وحق مكتسب في ان يكون الجنرال الزعيم الاوحد او… الاكثر افضلية.

فهذا المنطق المعشعش في مخيلة البعض يدفعنا مع تفاقم موجة الايمان به وتطور نسبة القناعة بصوابية هذا المنطق داخل فريق 8 اذار الى ابداء الملاحظات التالية:

اولا : منذ فجر تاريخ المسيحيين في هذا الشرق وتحديدا في لبنان لم يحصل ان تزعم المسيحيين شخص او زعيم اوحد عبر مختلف مراحل التاريخ القديم والحديث. فاذا اردنا التكلم عن زعامة مسيحية فان الاكثر شيوعا كان عبر التاريخ سيادة البطاركة الموارنة الذين لعبوا الادوار التأسيسية في قيام الكيان اللبناني المستقل اولا ثم الدولة السيدة والمستقلة بحدودها المعترف بها دوليا كما مع غبطة المثلث الرحمات المغفور له البطريرك الحويك.

اما في الحياة السياسية والعامة فلم يسجل التاريخ المسيحي في لبنان اختصار الراي العام المسيحي او توحده وراء زعيم مسيحي اوحد، بحيث انه في افضل الحالات ما ميز التاريخ المسيحي المشرقي السياسي الثنائية ان لم نقل اكثر. من ثنائية يوسف بك كرم وطانيوس شاهين الى ثنائية الكتلة والدستوري الى ثنائيات الكتائب اللبنانية والوطنيين الاحرار وحراس الارز والتنظيم وسواها من احزاب استقطبت على فترات متتابعة الراي العام المسيحي ولم تمكن احدا من احتكار الزعامة المسيحية في لبنان.

فحديث البعض اليوم عن احادية زعامة مسيحية تعطى للعماد عون كلام خارج التاريخ والسياق الحضاري والثقافي للمسيحيين الذين بنوا حياتهم العامة وفلسفة وجودهم على الحرية والتعددية والتنوع والديمقراطية في الاراء.

ثانيا: ان نظرية الزعامة المسيحية الواحدة في مواجهة الزعامات الطائفية الاخرى قد سقطت، لان لا زعامة للسنة في لبنان اليوم بل زعامة تتمتع باكثرية سنية.

بحيث هناك اخرون من قوى 8 اذار يواجهون ضمن الطائفة السنية تيار المستقبل وزعامة ال الحريري.

ولا زعامة شيعية واحدة لان في الطائفة الشيعية عن قوى 8 اذار قطبين كبيرين، حزب الله والرئيس بري فضلا عن تيارات شيعية مستقلة ومناوئة لحزب الله كتيار الانتماء اللبناني بزعامة الاستاذ احمد الاسعد والتيار الشيعي الحر.

ولا زعامة درزية واحدة وان كانت زعامة وليد بك جنبلاط هي الاكبر والاشمل الا انها لم تخف ولم تذب ما للارسلانيين ايضا من دور في قيادة الطائفة والدليل ان وليد بك نفسه يعترف بوجود الند الارسلاني في طائفته ويحترم هذا الوجود الى حد التقارب معه والتحالف معه انتخابيا.

وبالتالي زمن وحدة الزعامة لم يعد له وجود في لبنان في كافة الطوائف فكيف بالطائفة المسيحية المفطورة منذ فجر تاريخها على التعددية والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير. فلا يمكن العودة الى الوراء وانتهاج هذا الفكر الاحادي التوتاليتاري الشخصاني في الوسط المسيحي ما يجعل الفكرة مردودة على اصحابها.

ثالثا: ان نظرية الزعامة المسيحية الواحدة تلغي نظام لبنان الدستوري. فالغريب ان العديد من طروحات المؤيدين للعماد عون تصب في خانة انهاء الدولة والقضاء على الوطن ومع ذلك يدعون الحرص على قيام الدولة القوية والسيدة والحرة والمستقلة وتكاد تكون طروحاتهم اقرب الى الفاشية الاحادية الالهية.

فكيف يمكن التوفيق بين نظرية الزعامة المسيحية الواحدة للمسيحيين والنظام الدستوري لرئاسة الجمهورية الذي يفرض التداول على السلطة الاولى كل اربع سنوات؟

ثم كيف يمكن التوفيق بين الزعامة المسيحية واسس ومفاهيم المشاركة المسيحية والوطنية التعددية التي صمت قوى 8 اذار اذان الناس في الماضي دفاعا مستميتا عنها ومطالبة بها. فالزعامة المسيحية اذا ما اعتمدت ستؤدي اما الى تحويل الرئيس الماروني الى رئيس مدى العمر على انه الزعيم الاوحد وصاحب الفضل الاوحد والافضلية الوحيدة، واما الى خلق ثنائية السلطة بين الزعيم ورئيس الجمهورية الامر الذي يوقع المسيحيين في ما هم فيه اليوم من تطاحن يضعف ويدمر القوة المسيحية السياسية وامكانية لعبهم دورا بناء لمستقبل البلاد.

وبالتالي ان هذه النظرية ساقطة دستوريا وسياسيا اذ لا مكان لاحادية زعامة مسيحية تقضي على فعالية الدور السياسي والوطني للمسيحيين.

رابعا: ثم لا نرى على اي اساس يجب ان يكون العماد عون هو الزعيم الامثل للمسيحيين، فقبله العديد من الوجوه المسيحية التي خاضت غمار الشأن العام والسياسة والقضايا المصيرية منذ عشرات السنوات، بينما الجنرال عون حديث العهد في السياسة وهو غير ذات افضلية في العمر السياسي او في التجربة او في التاريخ المسيحي. وبالتالي لا نرى عل اي اساس يرتكز دعاة ان يكون العماد عون الزعيم المسيحي الاوحد للمسيحيين. ففي المجتمع المسيحي العديد من القيادات والزعامات السياسية والوطنية ليس اقلها في حزب الكتائب والقوات اللبنانية والشخصيات المارونية والمسيحية المستقلة نوابا كانوا ام وزراء او فعاليات مؤثرة في محيطها ومنطقتها، فلماذا العماد عون فقط؟

واذا كان الامر على اساس برنامجه وطروحاته فالعديد قبله طرحوها ومع الاعتذار من العماد عون ثمة الكثير من المواقف اقتبسها عن اسلاف كبار كالرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل ونقلها الى اسلوبه الشخصي.

واذا كان على صعيد انجازات تياره فنذكر البعض المتناسي والقصير الذاكرة الى ان القوات اللبنانية دفعت اكثر من التيار الحر ثمن معركة الحرية والاستقلال في 7 اب وسواها. وقد نفي العماد فيما سجن الحكيم في وزارة الدفاع وحوكم من قبل دولة فيشي المتواطئة مع سلطة الوصاية والاحتلال السوري انذاك. كما ان مئات الشباب القواتي سيق الى السجون وغرف التعذيب ولا تزال القوات الى الان مستهدفة بينما تيار الجنرال لم يعد له اعداء.

واذا كان عل صعيد اسلوب المواجهة فمع الاعتذار الشديد مرة أخرى من العماد عون ان افشل اسلوب مواجهة سياسية هو اسلوب العماد وتياره وتكتله. هذا الاسلوب الذي لن يقرب الرأي العام المسيحي منه ومن التيار بل سيزيده بعدا وحذرا منه خصوصا في ضوء التحالفات المشبوهة للتيار مع اعداء الوطن والناكرين لوجوده بحكم عقائدهم وفلسفاتهم السياسية والدينية.

فلا يمكن للمسيحيين ان يفهموا السذاجة التي تجعل من بعض المواقف للعماد عون وانصاره تعتبر ان حالة العداء مع سوريا انتهت بمجرد انسحاب الجيش السوري من لبنان. فنذكر العماد عون بواقعة تاريخية بسيطة وجلية في العلاقات اللبنانية – السورية : ان سوريا حزب البعث ومنذ قيام النظام البعثي تتدخل في كافة مفاصل التاريخ اللبناني السياسي، فعلى سبيل المثال لا الحصر لم يكن هناك جيش سوري عسكري عندما رفض الرئيس حافظ الاسد قيام التبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا، ولم يكن هناك احتلال عسكري للبنان عندما دعمت سوريا احزاب وقوى الحركة الوطنية ضد المسيحيين في الحرب المسماة زورا بالاهلية منذ 1975، ولم يكن هناك وجود عسكري سوري عندما دعمت سوريا قيام المنظمات الفلسطينية المتطرفة من الصاعقة وصولا الى قواعد الجبهة الشعبية وسواها. اليوم ليس لسوريا وجود عسكري ولكن هل يستطيع العماد عون او انصاره الجزم من ان حملة الاغتيالات التي طالت فقط رموز 14 اذار دون سواهم لم تكن بتواطؤ مخابراتي سوري او ان حرب البارد لم تكن ضد تنظيمات جاءت من سوريا وقد دعمت وتعززت سورياً بالسلاح والرجال لزرع الارهاب في لبنان.

طبعا لا احد يريد الاستمرار الى ما شاء الله في العداء للنظام السوري، ولكن في المقابل ليس المطلوب التعمية على حقائق ووقائع استمرار التدخل السوري في الشأن اللبناني الى الان عبر اكثر من قناة سياسية وتنظيمية وحزبية. لكن لا نرى ان بالامكان وقف العداء للنظام السوري الا من لحظة ما يقتنع الحكم في دمشق بان لبنان لابنائه وابناؤه وحدهم يقررون ما يناسب وطنهم ومصالحه العليا.

وهكذا نجد ان نظرية البعض باحقية العماد عون في زعامة المسيحيين نظرية ساقطة وغير مثبتة، ونسبة الاكثرية الشعبية المسيحية التي نالها العماد عام 2005 لن تبقى هي هي في الانتخابات المقبلة بل ستضعف جدا في العديد من الدوائر الانتخابية وبالتالي لن يكون بالامكان بعد اليوم للعماد والبعض من متحمسيه الحديث عن زعامة مسيحية لرجل سيجمع اكثرية عادية في احسن الحالات من اصوات الراي العام المسيحي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل