في الطريق الى 7 حزيران [5]
القرار 1559
عاد الحديث عن القرار الدولي 1559 الذي صدر عشية التمديد للرئيس السابق اميل لحود، وعاد تأكيد قادة "حزب الله" أن القرار "مات ولم يعد ينتظر سوى موعد الدفن". وللتذكير ان القرار حينما صدر مطلع شهر ايلول 2004 شكّل الموقف الدولي الحاسم بسحب التفويض المعطى لسوريا بإدارة لبنان. وارتكز القرار على ثلاث قوى محركة كي يصبح حقيقة: الاول، المزاج الشعبي اللبناني الذي ضاق ذرعا بالوصاية وسلوكها في لبنان، خصوصا بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب في ايار 2000 مما رفع الغطاء المعنوي عن الوجود السوري، وحرر العديد من القوى اللبنانية من تبعات الموقف الداعي الى تأجيل كل بحث في الوصاية الى حين تحرير الارض. ويذكر اللبنانيون كيف ان القرار الاسرائيلي بالانسحاب القى بظلال ثقيلة على الموقف السوري حتى ان وزير الخارجية آنذاك فاروق الشرع اعتبر ان الانسحاب مناورة وليس حقيقة، الى ان وجدت جماعات الوصاية في لبنان ذريعة جديدة بطرح موضوع مزارع شبعا. وإذا كان القرار 1559 صدر عشية التمديد للرئيس لحود، فإنه لاقى من خلال نصه الذي اعد بعناية كبيرة النص الميثاقي الوارد في "اتفاق الطائف". وقيل يومها ان دوائر الامم المتحدة عكفت على استخراج الافكار والنصوص من "الطائف" نفسه لمنح القرار البعد الوفاقي اللبناني.
ولا شك ان الضغط الدولي معطوفا على الضغط السياسي والشعبي اللبناني الداخلي، ادى بالجانب السوري الى اعتبار القرار بمثابة اعلان حرب على وجوده في لبنان. وأدت الخفة في التعامل مع الموضوع الى اعتبار فاروق الشرع ان القرار "تافه"، ثم اعتمدت سياسة التصفيات الجسدية، وبلغت ذروتها باغتيال الرئيس رفيق الحريري في محاولة يائسة لوقف المسار الانحداري للوصاية التي ما عاد اللبنانيون يخافونها، فانتفضوا وثاروا، واخرجوا الوصاية في 26 نيسان من العام نفسه. واعتبرت دمشق يومها انها نفذت الشق المتعلق بها في القرار بمعنى انها اعترفت به. وبقيت البنود المتعلقة بالشق الداخلي، اي سلاح كل المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية الموجودة على الارض اللبنانية. واشتعلت حرب سياسية امنية داخلية – اقليمية لمواجهة القرار ولجبه مندرجاته، خصوصاً تلك المتعلقة بسلاح "حزب الله" بذريعة مواجهة ما سمي محوراً "اميركياً – اسرائيلياً"، وصولا الى السابع من ايار 2008 يوم غزوات بيروت والجبل والشمال.
وفي مطلق الاحوال تعتبر فئات واسعة من اللبنانيين، ان لم تكن غالبيتهم، ان القرار 1559 شكّل قراراً دولياً كبيراً لدفع لبنان نحو مرحلة الاستقلال، بحيث ادى في نهاية الامر الى تحقيق اجماع انضم اليه العرب لاخراج سوريا من لبنان، اقله نظاميا، مما عكس المسار الانحداري نحو التذويب النهائي للكيان اللبناني في المنظومة السورية. ومن يدري، فقد كان بعض المغالين في الوصاية يتحدثون عن كونفيديرالية لبنانية – سورية مؤداها في نهاية المطاف أن يتحول لبنان الى محافظة سورية… والزعم ان القرار مات، يفتقر الى الدقة ويجانب امرا اساسيا هو رفض غالبية لبنانية بقاء سلاح لبناني وغير لبناني خارج الدولة والشرعية. وهذا بند مهم للغاية. فإذا كان من الصعب نزع سلاح "حزب الله" وتفكيك القواعد الفلسطينية التابعة لدمشق اليوم، فإن من المهم بمكان ان يتمسك اللبنانيون بموقف رافض للدويلة ولجيشها، ولكل الجيوش الاخرى. من هنا اهمية ان يربح الاستقلاليون الانتخابات المقبلة من اجل المحافظة على قوة الضغط الكافية داخليا على السلاح غير الشرعي الذي اظهر من خلال الازمة الاخيرة مع مصر انه سلاح يتنطح الى الاضطلاع بأدوار خارجية في اطار اجندة خارجية تجاوزت وتتجاوز كل تفويض لبناني داخلي. لا يهم ان كان ثمة من يعتبر ان القرار 1559 قد مات، بل المهم إبقاء وتيرة الرفض لكل واقع مناقض لفكرة الاستقلال والدولة في آن واحد. هذه هي قراءتنا للقرار 1559 اليوم وغدا يوم تعود الظروف الدولية والاقليمية لملاقاة الموقف الداخلي الاستقلالي من اجل تحقيق تقدم جوهري لـ"العبور الى الدولة" !