عناوين "خنفشاريّة"!!
أوافق رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع على كون المعركة الانتخابية سياسية بامتياز،بل هي سياسية و"مصيرية" للبنان وبـ"امتيازيْن"،مثلما أوافقه الرأي على ضرورة عدم خوضها تحت عناوين "خنفشارية" أو مجتزأة..
بالتأكيد يوجد الكثير من العناوين "الخنفشارية" الانتخابية هذه الأيام المرفوعة فوق رؤوسنا وأمام عيوننا، خصوصاً عندما يعلن أصحابها أنهم يخوضونها تحت عنوان محاربة "الفساد" أو "السرّاقين"!! ولست أدري لم تنقدح في ذاكرتي مشهدية "الجريان المعوي" كلما أطلق الجنرال تصريح "جريان حَكَوي" مستخدماً فيه مفردات "خنفشارية" التعبير، مثل: "ستين سنة.. وسبعين يوم" أما أكثرها خنفشارية على الإطلاق فوصفه الحرب اللبنانية بـ "عقصة برغشة" أمام ما كان ينتظر البلد لو لم يعقد تفاهمه مع حزب الله!!
فكرّت طويلاً، ما هو الأدهى من "عقصة برغشة"؟ وكيف يطاوع الجنرال لسانه فيحوّل دماء اللبنانيين ومعاناتهم خلال الحرب الأهلية والقتل والذبح والدمار والخراب والتهجير والمفقودين والشهداء والجرحى والمعاقين، وكلّهم من وجهة نظر الجنرال ـ الذي على ما يبدو قرر الانتقال من التخصص في "الزواحف" إلى "الحشرات" فبدأ بالنمل وانتهى بالـ "برغش" ـ ليسوا أكثر من "عقصة برغشة"!!
ولأن الجنرال غائب – وملائكة تياره حاضرة – في روسيا يأخذ البركة "الأرثوذكسية" من هناك، بعدما أخذ البركة المارونية من بكركي، والبركة الروسية ربما يريد أخذها "نكاية" بالمطران الياس عودة، ودولة الرئيس ميشال المر، وبيت "التويني" معهم، ليعود من هناك "ممثلاً للمسيحيين الأرثوذكسيين" ربما!!
وبالعودة إلى العناوين "الخنفشارية"، وبما أن الواقع السياسي اللبناني الحالي تنطبق عليه وعلى عناوينه هذه الصفة، فقد استفز عقلي اللغوي استخدام الدكتور سمير جعجع لهذه الصفة، واستعادت ذاكرتي صورة أستاذي العلامة الدكتور عفيف دمشقية واقفاً أمامنا محاضراً في تاريخ النحو ومسائله، ونحن عالقون ما بين "الأخفش" و"الزجّاج" والمدرستين البصرية والكوفية، وهو يخلُص إلى القول: "هيدا الرأي خنفشاري شو بدكن فيه"!! لِمَ لَم أتنبّه قبل رحيله إلى سؤاله عن معنى كلمة "خنفشاري" التي كان يُكثر استخدامها في وصفه للآراء؟! وإلى معجم "لسان العرب" عدتُ أقلب موادّه، أقلب نظرية من هنا، ومادة من هناك، أو أبحث ألكترونياً عن معنى الكلمة،لأكتشف أن ثمة واقعاً عربياً أيضاً "خنفشاري" لمواقع عدّة تتباهى بأنها "خنفشارية"!!
وكنت قد تعثّرتُ برواية لم أجدها مقنعة خصوصاً أنها "لا نسب لها"ومجهولة الراوي والأصل، تروي باختصار أن رجلاً ادّعى أنه يملك معارف كل العلوم إلى أن أوقع به جماعة اخترعوا له كلمة "خنفشار" بعدما اقترح كل واحد منهم حرفاً، ونستنتج من عدد الأحرف أنهم كانوا ستة أشخاص،فسألوه: ما هو الخنفشار؟ فأجابهم: هو نبات يزرع في اليمن، ينبت في الجبال، ويعقد به الحليب، قال الشاعر: لقد عقد حبكم فؤادي/ كما عقد الحليبُ الخنفشار"!!
ولأنني من أنصار استخدام العقل وإمعان النظر والتفكير، أميل إلى الظن بأن هذه الرواية إلاّ "حديثة العهد" رُكّبت لتفسير "مصطلح" لغوي منحوت (مُركّب من كلمتين أو أكثر).. والأرجح عندي أن الخنفشارية" كلمة مركبة من ثلاث مواد هي:"خفش"و"خنشر"و"خنشفر".. ولكل واحدة منها معناها ودلالتها.. فالخَفَش: ضعف في البصر، والتخفيش هو ضعف الرأي،وبه سمّي "الخفّاش" لضعف بصره في النهار – وما أكثر خفافيش السياسة عندنا – وأرجح أن "الخفش" أدخل على نحت الكلمة لدلالته المعنوية على ضعف الرؤية،أما المادة الثانية فهي:"خَشَرَ"، والخُشَار والخُشَارة: الرديء من كلّ شيء، والخُشَارة: ما يبقى على المائدة مما لا خير فيه، والمخْشُور: المرذول.. أما المادة الثالثة فهي:"خَنْشَفَرَ"، والخَنْشَفيرُ: الداهية،ولا توجد أي إضافة في تفسيرها وهذا أمر نادر في المعاجم.. ولا أظن "خنفشارية" تعدو هذا النحت الثلاثي، وهذا بحث لغوي آخر..
وعليه،"الخنفشارية" – برأينا المتواضع ـ هي كل رأي يصدر عن رجل داهية،ولا أعرف إن كانت "داهية" هنا بمعنى "المصيبة" أو "الدهاء" والأولى أَرْجح عندي،وهو رجل قصير النظر ورأيه لا خير فيه لأنه رديء من كل شيء!!
إما عن "خنفشارية" السياسة وبعض أهلها وآرائهم فحدّث ولا حرج، وما أكثر من تنطبق عليهم وعلى آرائهم هذه المواصفات، خصوصاً الذين يرون في حرب أهلية "طويلة عريضة" مجرّد " عقصة برغشة" ولولا تفاهم الجنرال الذي حمانا،أو ربما كان يهددنا، بأنه هو وحده يمنع حلفاءه المتفاهمون معه حتى الآن من "افتراسنا"!!