استعداداً للدخول في مفاوضات مع أميركا من موقع قوي
سوريا وإيران تمسكان بورقة تعطيل الحكم في لبنان
ما هو سر إصرار التحالف الشيعي لـ"حزب الله" وحركة "امل" على المشاركة في حكومة ما بعد الانتخابات ايا يكن الفائز فيها بالاكثرية؟ فالرئيس بري يقول ان الديموقراطية التوافقية هي في روح دستور الطائف. والقادة في "حزب الله" يكررون القول ان المعارضة اذا فازت بالاكثرية في الانتخابات فسوف تعرض على الاقلية التي ستتألف منها قوى 14 آذار المشاركة في الحكومة، فاذا رفضت فان عجلة الدولة لن تتوقف اي ان الاكثرية الجديدة سوف تحكم مع من يؤيد سياستها التي على رأسها دعم المقاومة اذ "لا لبنان بدون مقاومة" كما يقول هؤلاء القادة. واذا فازت قوى 14 آذار بالاكثرية فان المعارضة، اي قوى 8 آذار سوف تصر على المشاركة في اي حكومة يتم تشكيلها بحجة منعها من الاستئثار في اتخاذ القرارات.
وفي حديث لنائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم اكد: "نحن اقوى الاحزاب اللبنانية وتفاعلنا السياسي يجعل اي حكومة لا يمكنها تجاهلنا. فنحن جزء مهم من الدولة"، واوضح "انه عندما يفوز حزب باغلبية على حزب آخر فلن تكون هناك تغيرات راديكالية في لبنان لان المسارات السياسية في لبنان اصبحت ثابتة ولا سيما بعد فشل الاغلبية البرلمانية الحالية في وضع لبنان تحت السيطرة الاميركية او في خدمة الاجندة الاسرائيلية"… اما حليف التحالف الشيعي العماد ميشال عون فيقول: "اذا اردنا بناء دولة فيجب الا يعود احد من الاكثرية الحالية"، اي انه يريد ان يلغي الآخر ويرفض المشاركة معها اذا عادت اكثرية او اقلية. ومع ان كلا من الرئيس نبيه بري والامين العام لـ"حزب الله" يؤكد تمسكه باتفاق الطائف وان كان عمليا يريد تطبيق اتفاق الدوحة بحيث يصبح الموقت دائما، فان العماد ميشال عون لم يخف ما يضمره بالقول عند زيارته دمشق: "اذا حصلنا على الاغلبية في الانتخابات النيابية المقبلة فسوف نعدل الطائف"…
اوساط سياسية مراقبة ترى في تفسير خلفيات هذه المواقف لبعض اركان قوى 8 آذار المعارضة، انه غير مسموح لهذه القوى ان تتخلى مجانا عن ورقة التعطيل التي في يدها حتى ولو جاءت بها نتائج الانتخابات، بل ينبغي ان تبقى هذه الورقة للضغط والمساومة في يد كل من سوريا وايران، حتى اذا بدأت محادثات الغرب معهما لا سيما الولايات المتحدة الاميركية، كان للتخلي عن ورقة التعطيل هذه ثمن سواء في الملف النووي الايراني او في ملف العلاقات اللبنانية – السورية.
وقد تكون المحكمة ذات الطابع الدولي بندا اساسيا من بنود تنظيم هذه العلاقات بحيث تكون سوريا مستعدة لان تساعد اي اكثرية يفوز بها اي طرف في الانتخابات النيابية المقبلة، على تنفيذ كل ما هو مطلوب منها تنفيذه من سلاح حزب الله الى سلاح الفلسطينيين داخل المخيمات وخارجها، الى ترسيم الحدود بما فيها حدود مزارع شبعا، الى القرارات الدولية ولا سيما القرار 1701 واعادة النظر بالاتفاقات المعقودة بين لبنان وسوريا، ومعاودة السير في مفاوضات السلام مع اسرائيل توصلا الى توقيع اتفاق بينها من جهة وبين سوريا ولبنان من جهة اخرى، على ان يقابل تقديم هذه المساعدة لتنفيذ كل ذلك، اعادة النظر بمسار المحكمة ذات الطابع الدولي بدءا بما ينبغي ان يتضمنه القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه.
اما ايران فقد سبق لها ان ربطت بين ازمة ملفها النووي وبين حل مشكلات اخرى في لبنان والعراق وافغانستان وفلسطين، كما انها كانت قد طالبت بدمج حزمة الحوافز الغربية التي قدمت لها في الماضي وبين حزمتها التي قدمتها موضحة ان دمج الحزمتين معا يجب ان يكون اساس التفاوض بين طهران والمجتمع الدولي. واعتبر نائب الرئيس الايراني رضا آغا زاده في حينه، ان بدء مفاوضات مع المجتمع الدولي بشأن الملف النووي الايراني قد يؤدي الى "حل الكثير من المشاكل مثل العراق ولبنان وافغانستان"، وقد تقدمت ايران اخيرا بعروض جديدة للدول الست علها تكون صالحة للبحث والتوصل الى حل للملف النووي.
ان هذه المواقف تدل على ان البحث في حل مشكلة الحكم في لبنان بين اكثرية واقلية لا يتم الا بعد الانتخابات النيابية وانتظار نتائجها. فاذا فازت قوى 14 آذار بأكثرية المقاعد فان سوريا وايران ستطلبان من قوى 8 آذار التي تعود اقلية اشتراط اعطائها الثلث المعطل في اي حكومة يتم تشكيلها والا فسوف يتعذر على اي رئيس مكلف التوصل الى تشكيلها لان "التحالف الشيعي سيكرر لعبة مقاطعة المشاركة فيها اذا لم يكن للاقلية المعارضة الثلث المعطل كي تضع لبنان بين خيارين: اما التسليم باعطاء هذا الثلث واما مواجهة ازمة وزارية قد تتحول ازمة حكم لا خروج منها الا بعملية قيصرية لا يعرف احد مضاعفاتها وتداعياتها. واذا فازت قوى 8 آذار بالاكثرية، فان سوريا وايران تصبحان في موقع تفاوضي قوي مع كل من يريد ان يفاوضهما على مشاكل لبنان والمنطقة، فاما يصير اتفاق على حل هذه المشاكل من خلال حكومة هذه الاكثرية في لبنان في مقابل تقديمات متبادلة، ولا يعود تشكيل الحكومات في لبنان يواجه ازمات بين اكثرية واقلية ولا بين تطبيق اتفاق الطائف او اتفاق الدوحة ولا حتى بين ديموقراطية عددية وديموقراطية توافقية، لان الامور تسير في لبنان سيرا طبيعيا، عندما يتم التوصل الى اتفاق بين سوريا وايران من جهة ودول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية من جهة اخرى، او بين اي من هاتين الدولتين بالتنسيق والتفاهم بين بعضهما.
اما اذا لم يتم التوصل الى اتفاق، وظلت سوريا وايران تستخدمان ورقة تعطيل سير الحكم وعجلة الدولة في لبنان لقبض الثمن في الملف النووي وفي المحكمة ذات الطابع الدولي، فان دول الغرب هي التي يعود اليها عندئذ اتخاذ قرار المواجهة او التريث في استخدام العصا الغليظة اذا ما رفضت الجزرة الغربية، التي تشمل حوافز اقتصادية، والا صار التركيز على تشديد العقوبات بعد التحدث مباشرة مع الايرانيين لاختيار ما يريدون تحقيقه بالطريقة الصعبة او بالطريقة السهلة…
كل هذا يجعل الانتخابات النيابية المقبلة مصيرية سياسيا وامنيا واقتصاديا للبنان وربما للمنطقة ايضا اذا فشلت ديبلوماسية الجزرة.